
استوديو التحليل الاستراتيجي: ترامب وإعادة تشكيل العالم
من زعامة النظام الدولي إلى منطق الصفقات والفوضى المُدارة
بقلم /سهام عزالدين جبريل
لم يكن دونالد ترامب مجرد رئيس أمريكي عابر، بل ظاهرة سياسية هزّت ركائز النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية. فقد جاء ترامب إلى البيت الأبيض بعقلية رجل الأعمال لا رجل الدولة، وبمنطق الصفقة لا التحالف، وبخطاب صدامي كسر القواعد التقليدية للدبلوماسية الأمريكية، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل العالم، لا تقوم على القيم بقدر ما تقوم على المصالح الضيقة وموازين القوة اللحظية.
أولًا: من القيادة العالمية إلى الانكفاء القومي.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دور “قائد النظام الدولي”، حامية التحالفات، وراعية المؤسسات متعددة الأطراف. لكن مع وصول ترامب، ظهر شعار “أمريكا أولًا” كعنوان لمرحلة جديدة، حمل في طياته تراجعًا واضحًا عن الالتزامات الدولية، سواء تجاه الحلفاء أو المنظمات الأممية.
انسحبت واشنطن في عهد ترامب من اتفاقيات محورية، وجرى التشكيك في جدوى حلف الناتو، وتحميل الحلفاء كلفة الحماية، في رسالة واضحة مفادها أن الأمن لم يعد التزامًا جماعيًا بل خدمة مدفوعة الثمن. هذا التحول أحدث شرخًا عميقًا في الثقة الدولية بالقيادة الأمريكية.
ثانيًا: تفكيك النظام الليبرالي العالمي
تبنّى ترامب خطابًا عدائيًا تجاه العولمة، واعتبرها سببًا في تراجع الطبقة الوسطى الأمريكية، فخاض حروبًا تجارية، وفرض رسومًا جمركية، وأضعف منظمة التجارة العالمية، ما ساهم في اهتزاز أحد أهم أعمدة النظام الاقتصادي العالمي.
هذا السلوك لم يؤدِ فقط إلى إعادة توزيع القوة الاقتصادية، بل شجّع قوى صاعدة على تحدي القواعد القائمة، وفتح المجال أمام عالم أكثر فوضوية وأقل خضوعًا للمرجعيات المؤسسية.
ثالثًا: الشرق الأوسط… سياسة بلا خرائط
في الشرق الأوسط، لم يسعَ ترامب إلى بناء استقرار بقدر ما سعى إلى إدارة الصراع. اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وطرح صفقات سياسية خارج إطار القانون الدولي، وتبنّى تحالفات حادة قائمة على الاستقطاب، لا التوازن.
كما جرى التعامل مع قضايا المنطقة من زاوية الربح والخسارة، وليس من منطلقات استراتيجية طويلة المدى، ما عمّق الأزمات بدلًا من حلها، وكرّس مناخًا من السيولة السياسية والأمنية.
رابعًا: شرعنة الشعبوية عالميًا
ربما كان أخطر تأثير لترامب هو تطبيع الخطاب الشعبوي، ليس داخل الولايات المتحدة فقط، بل عالميًا. فقد منح صعوده شرعية لقادة وحركات قومية متطرفة، شكّكت في الديمقراطية الليبرالية، وهاجمت الإعلام، وعمّقت الانقسام المجتمعي.
أصبح النموذج الترامبي قابلًا للاستنساخ: زعيم قوي، خطاب بسيط، عدو داخلي أو خارجي، وتراجع دور المؤسسات، وهو ما يهدد بنية الدولة الحديثة في أكثر من مكان.
خامسًا: عالم ما بعد ترامب… هل انتهت المرحلة؟
على الرغم من خروج ترامب من السلطة، فإن الترامبية لم تنتهِ. فقد تركت أثرًا عميقًا في السياسة الأمريكية، وفي نظرة العالم للولايات المتحدة. لم يعد العالم يثق في ثبات الموقف الأمريكي، وأصبح الاستعداد لبدائل استراتيجية ضرورة لا خيارًا.
إن ما شهده العالم خلال تلك المرحلة لم يكن مجرد تغيير في السياسات، بل تحول في الفلسفة الحاكمة للعلاقات الدولية، من نظام قائم على القواعد، إلى نظام تحكمه القوة والصفقات، وهو تحول ما زلنا نعيش تداعياته حتى اليوم.
خاتمة
لم يُعِد ترامب تشكيل العالم وحده، لكنه كان محفزًا لتسريع تفكك نظام دولي كان يعاني أصلًا من التشققات. ومع غياب اليقين، بات العالم أقرب إلى تعددية قطبية غير مستقرة، حيث لا تحكم العلاقات القيم بقدر ما تحكمها المصالح الآنية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان ترامب استثناءً عابرًا، أم مقدمة لعصر جديد تتراجع فيه السياسة لصالح الشعبوية، والدبلوماسية لصالح الصفقات؟
خالص تحياتى
د/سهام عزالدين جبريل