
دبلوماسية الصوت العالي وكسر الأطباق
بقلم: دكتور / السيد مرسى الصعيدى
منذ أن عاد ترامب للسلطة، لم يحتاج العالم إلى كثير من الوقت ليتأكد أن الرجل لم يتغير، وأن السنوات لم تُعلِّمه فن الصمت، ولا أقنعته بأن السياسة الخارجية ليست برنامجًا واقعيًا تلفزيونيًا يُدار بالصراخ ورفع الحاجب الأيمن. عاد ترامب، وعادت معه المهاترات، لا كأخطاء عرضية، بل كمنهج حكم ، في ولايته الثانية، بدا ترامب أكثر تحررًا من أي قيود؛ لا انتخابات قادمة تُقلقه، ولا تحالفات تقليدية تشغله، ولا دبلوماسية كلاسيكية تعنيه. العالم – في خطابه – لم يعد له شركاء، بل زبائن سيئون، أو حلفاء مدللون، أو أعداء يجب إذلالهم علنًا قبل التفاوض معهم سرًا، لم تسلم أوروبا من لسان ترامب، الذي تعامل مع القارة العجوز كما لو كانت مشروعًا خاسرًا ورثه عن إدارة سابقة. حلف الناتو عاد إلى قفص الاتهام، والاتحاد الأوروبي وُصف – صراحة أو مواربة – بأنه عبء اقتصادي وخصم تجاري متنكر في ثوب الحليف. لم تكن الخلافات تُناقش خلف الأبواب المغلقة، بل تُرمى على الملأ، في مؤتمرات صحفية تشبه حفلات عتاب عائلي تُدار أمام الجيران.
في الشرق الأوسط، استمرت لغة الصفقات: من يدفع يُكافأ، ومن يعترض يُهدَّد. القوانين الدولية؟ وأصبحت تفاصيل قانونية مملة و قرارات المحاكم الدولية؟ آراء غير ملزمة ، هكذا اختصر ترامب تاريخًا طويلًا من الأعراف الدبلوماسية، مُفضِّلًا ميزان القوة الفجة على ميزان القانون، ومُطلقًا تصريحات تشعل الحرائق ثم يتساءل عن سبب الدخان.
أما أمريكا اللاتينية، فقد عادت في خطاب ترامب إلى قاموس حيث الفناء الخلفي فى لغة فوقية، وتهديدات بالعقوبات، وتلويح بالقوة، وكأن الزمن لم يتحرك منذ عقود. السيادة الوطنية تُحترم فقط عندما تتطابق مع المصالح الأمريكية، والمفارقة الكبرى كانت في الجمع بين التصعيد اللفظي والمرونة العملية. تصريحات نارية في العلن، ومساومات هادئة في الكواليس. ترامب يهاجم، ثم يفاوض، ثم يعلن أنه انتصر، حتى لو لم يتغير شيء على الأرض. إنها دبلوماسية «اكسر ثم أصلح… إن أردت».
وأخيرا …. لم يعد السؤال: ماذا يريد ترامب من العالم؟ بل: كم من الوقت يستطيع العالم أن يتحمل إدارة تُدير السياسة الخارجية بعقلية ترامب ، ففي زمن الأزمات الكبرى، قد تكون الكلمة غير المحسوبة أخطر من الرصاصة… وترامب يُطلق هذه الكلمات بالجملة.