آراء وتحليلات

لصوص الحضارة المصرية 

بقلم : الدكتور / السيد مرسى الصعيدي

لم يكن التاريخ يومًا بريئًا، لكنه لم يكن فاجرًا إلى هذا الحد، فما يجرى اليوم تحت لافتة الأفروسنتريك لا يمكن إدراجه فى خانة البحث العلمى، ولا الجدل الأكاديمى المشروع، بل هو مشروع سياسى كامل الأركان، يستخدم التاريخ أداة، والهوية سلاحًا، والجغرافيا غاية نهائية ، وعندما ظهرت (الأفروسنتريك) فى سياق أمريكى محدد، كرد فعل مفهوم على قرون من التهميش العنصرى للسود فى الغرب. غير أن المشكلة لم تكن فى السؤال، بل فى الإجابة المُعدّة سلفًا، .فبدلًا من استعادة دور أفريقيا فى الحضارة الإنسانية على أساس علمى، جرى اختطاف الحضارة المصرية القديمة، باعتبارها النموذج الحضارى الوحيد القابل للتسويق عالميًا، وإلحاقها قسرًا بسردية أيديولوجية لا تقيم وزنًا للأنثروبولوجيا، ولا لعلم المصريات، ولا حتى للمنطق.

مصر، تاريخيًا، ليست امتدادًا عرقيًا لقارة، بل كيانًا حضاريًا تشكّل حول نهر، لا حول لون بشرة، الهيروغليفية لم تُكتب بالسواد ولا بالبياض، بل بالمعنى ،  والدولة المصرية لم تُبنَ على العِرق، بل على الإدارة، والقانون، والمركزية السياسية، والوعى المبكر بالدولة، وهو ما لم تعرفه أفريقيا جنوب الصحراء إلا بعد آلاف السنين، لأسباب جغرافية وتاريخية معروفة، حين تخرج تصريحات رسمية، من موقع سيادى بدولة السودان على وجه التحديد، تؤكد أن الحضارة المصرية ذات أصول أفريقية.

والسؤال الذى يجب أن يُطرح : هل هذا صحيح ؟ بل لماذا الآن؟  ولمصلحة من؟

والاجابة : هي أن التاريخ يُسرق تمهيدًا للأرض، فحين يُعاد تعريف مصر كنتاج أفريقي عام ، تُصبح خصوصيتها الحضارية قابلة للتذويب، وحدودها الثقافية رخوة، ودورها الإقليمي قابلًا لإعادة التفاوض وهنا نصل إلى أخطر ما فى المشروع: نزع المركزية عن مصر، تمهيدًا لإعادة توزيع أدوار المنطقة، وسحب الشرعية التاريخية من الدولة المصرية بوصفها كيانًا متماسكًا عمره أكثر من سبعة آلاف عام، إنه المنطق ذاته الذى سبق تفكيك دول أخرى: ابدأ بالتاريخ، انتقل إلى الهوية، وانتهِ بالجغرافيا.

وأخيرا….. العلم يقول كلمته… بلا انفعال والمصريين القدماء سكان وادى نهر، لا سلالة عرقية واحدة. والتكوين البشرى لمصر كان مغلقًا نسبيًا بسبب الصحراء والبحرين، لا مفتوحًا على أفريقيا جنوب الصحراء. التأثيرات الأفريقية موجودة، كما الآسيوية والمتوسطية، لكنها تأثيرات لا أصول. والفرق بين التأثير والأصل هو الفرق بين العلم والدعاية.