آراء وتحليلات

مصر تلاتين

كتب / عادل رستم

نحن أمام عالم جديد يتشكل بسرعة تفوق قدرتنا على الفهم
عالم تتراجع فيه القيم التي شكلت الضمير الإنساني لعقود
وتتآكل فيه الأخلاقيات التي كانت تضبط السلوك العام والعلاقات بين الدول
حتى بات السؤال عن اختفاء الدبلوماسية سؤالا مشروعا لا مبالغا فيه
ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير في موازين القوى
بل تغير في قواعد اللعبة نفسها
القوة لم تعد مقيدة بالمسؤولية
والمصلحة لم تعد محكومة بالقيم
وأصبحت اللغة الخشنة هي الأداة الأسرع لتحقيق المكاسب
بينما تراجعت لغة الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل
في عالم الأمس كانت الدبلوماسية فن إدارة الخلاف
وكانت القيم هي الخط الأحمر الذي لا يسمح بتجاوزه
أما اليوم فقد أصبحت الفوضى مقبولة ما دامت تحقق هدفا
وأصبح التبرير بديلا عن الاعتذار
والتجاهل بديلا عن المحاسبة
وسائل التواصل والإعلام السريع ساهمت في تعميق هذا التحول
فالأخبار تسبق التحقق
والانفعال يسبق التفكير
والصوت الأعلى يطغى على الصوت الأصدق
ما خلق مناخا يسمح بتطبيع العنف اللفظي والسياسي
ويغذي حالة من القلق والارتباك الجماعي
لكن ورغم هذا المشهد القاتم
لا يمكن القول إن القيم قد اختفت تماما
هي لم تمت لكنها محاصرة
تنتظر من يعيد الاعتبار لها
من يؤمن أن الأخلاق ليست ضعفا
وأن الدبلوماسية ليست ترفا
بل ضرورة لبقاء العالم متوازنا وقابلا للحياة
العالم الجديد لا يفرض علينا الاستسلام
بل يضعنا أمام مسؤولية الاختيار
إما أن نكون شهودا على الفوضى
أو صانعين لمعنى جديد يعيد للإنسان إنسانيته
ويثبت أن القيم قد تتراجع أحيانا
لكنها لا تسقط ما دام هناك من يتمسك بها ويقاتل من أجلها.