آراء وتحليلات

أحلام المستأجرين والملاك 

بقلم الدكتور / السيد مرسى الصعيدى 

في مصر لم تكن الشقق مجرد جدران وسقف، بل كانت ذاكرة عائلات، وصبر ملاك، وصراعًا طويلًا بين عقدٍ كُتب منذ نصف قرن وواقعٍ تغيّر ألف مرة، ثم جاء القانون رقم 164 لسنة 2025 ليعيد ترتيب أوراق العلاقة بين المؤجر والمستأجر، لا بوصفه نصًا جامدًا، بل كزلزال اجتماعي خفيف الهزّات عميق الأثر.

فالمستأجر لم يكن يرى العقد مجرد ورقة، بل شهادة استقرار، يدفع جنيهات معدودة في زمن تضخمت فيه الأسعار حتى صار الجنيه ذكرى، وبدا القانون الجديد انذار بساعة الحقيقة، يفيد بانتهاء العقود بعد فترة انتقالية تصل إلى سبع سنوات للسكنى وخمس سنوات للتجاري ، وزيادة تصل في بعض المناطق إلى ألف جنيه، وهنا يصبح حلم المستأجر— وربما مأساويًا أن يجد بيتًا بديلًا ، وقد حاول المشرّع تهدئة المخاوف بإتاحة التقدم للحصول على سكن بديل وفق شروط محددة، مع قصر الاستحقاق على المستأجر الأصلي أو من امتد إليه العقد قانونًا ، ومع ذلك، ظل القلق قائمًا، إذ يرى بعض المدافعين عن المستأجرين أن النصوص قد تتعارض مع تصورات دستورية سابقة حول امتداد العقود، مما فتح باب الطعون القانونية، وهكذا يتجسد حلم المستأجر ، ليس في تحدي القانون، بل في أن يعبر السنوات الانتقالية دون أن يفقد العنوان الذي عاش به عمره، أما المالك ، فقد عاش هو الآخر قصة مختلفة، شقق تُؤجر بثمن لا يكفي ثمن طلاء الجدران، وعقارات تتأكل بينما دخلها لا يكفي إصلاح مصعد ، وسيجد بالقانون الجديد زيادات معتبرة في القيمة وإمكانية الإخلاء عبر قاضي الأمور الوقتية ، و أن يتحول العقار من عبء تاريخي إلى أصل اقتصادي ، وأن يعود الاستثمار في الصيانة والتطوير مجديًا بعد عقود من الجمود، وقد أيد كثير من الملاك الإصلاح باعتباره تصحيحًا لوضع جعل العائد الإيجاري حقيقة لا خيال، أما الدولة تحاول التوازن  بين حماية الاستقرار الاجتماعي للمستأجرين وتحقيق العدالة الاقتصادية للملاك فأنشئت لجان لحصر وتصنيف الوحدات بحسب المستوى والموقع والخدمات، تمهيدًا لتحديد القيمة الجديدة بشكل موضوعي ، لكن الواقع  لا يُقاس بالنوايا وحدها ، بل بالقدرة التنفيذية، وبمدى توافر مساكن بديلة، وقدرة السوق العقارية على امتصاص التحولات دون صدمات اجتماعية.

الخاتمة …. بين المستأجر والمالك يقف التشريع كحكم يحاول — أو يظن أنه يحاول — توزيع الزمن بالتساوي، فالشقة التي كانت يومًا حلماً بسيطًا، صارت اليوم ساحة فلسفية لسؤال كبير هل السكن حق مكتسب أم عقد مؤقت؟،  وهل الملكية امتداد مطلق أم مسؤولية اجتماعية؟  ، وستجيب عن هذا السؤال السنوات السبع القادمة — حيث سيكتشف كل طرف إن كان حلمه قد اقترب خطوة، أم أبتعد خطوتين.