
المراهنات الإلكترونية خطر صامت يهدد الاقتصاد والأسرة المصرية
بقلم / د . عماد خالد
في السنوات الأخيرة، تسللت المراهنات الإلكترونية إلى البيوت المصرية بهدوء، متخفية خلف شاشات الهواتف المحمولة ومنصات رقمية جذابة، تعد بالربح السريع وتسوق الوهم في صورة “فرصة”. لم تعد المراهنات حكرا على فئة معينة، بل امتدت لتصيب شبابا، وربما آباء، بل وأحيانا طلابا، لتتحول من ظاهرة فردية إلى خطر اقتصادي واجتماعي يهدد استقرار الأسرة والمجتمع.
اقتصاديا، تمثل المراهنات الإلكترونية نزيفا حقيقيا للدخل الأسري، فالأموال التي تنفق في هذه المنصات لا تعود بأي قيمة إنتاجية، بل تتحول إلى خسائر متراكمة تدفع البعض إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاته أو الدخول في دوامة ديون لا تنتهي، الأخطر من ذلك أن ثقافة “الربح السريع” تقتل قيمة العمل والإنتاج وتزرع في وعي الشباب قناعة زائفة بأن المال يمكن أن يأتي دون جهد أو مهارة.
اجتماعيا، لا تقل الآثار خطورة ؛ فالمراهنات الإلكترونية ترتبط ارتباطا وثيقا بزيادة معدلات التوتر داخل الأسرة واندلاع الخلافات الزوجية وفقدان الثقة بين أفراد البيت الواحد، هناك الكثير من الحالات تبدأ بفضول أو تجربة عابرة ثم تتحول إلى إدمان يصاحبه كذب وعزلة وعدوانية ؛ ما يؤدي في بعض الأحيان إلى انهيار الأسرة أو تشرد الأبناء، كما تظهر آثار نفسية واضحة على المراهن مثل القلق والاكتئاب والشعور بالفشل، وهو ما ينعكس سلبا على محيطه الاجتماعي.
تقع على عاتق الحكومة مسئولية محورية في مواجهة هذه الظاهرة ليس فقط عبر الحجب والملاحقة الأمنية . بل من خلال استراتيجية شاملة تقوم على التوعية والوقاية فالتشديد الأمني وحده لا يكفي ما لم يصاحبه نشر وعي مجتمعي بخطورة المراهنات ودعم برامج العلاج النفسي وإعادة التأهيل لضحايا الإدمان إلى جانب مراقبة المنصات الرقمية المشبوهة والتعاون الدولي لملاحقة الجهات القائمة عليها.
أما الأسرة تبقى خط الدفاع الأول فغياب الحوار داخل البيت والانشغال الدائم وترك الأبناء فريسة للإنترنت دون رقابة؛ كلها عوامل تفتح الباب أمام هذه الظاهرة ، والمطلوب من الأسرة ليس القمع أو العقاب بل المتابعة الواعية وبناء علاقة ثقة، وتعليم الأبناء قيمة المال والعمل ومراقبة السلوكيات التي قد تشير إلى وجود مشكلة قبل تفاقمها.
تشريعيا، هناك حاجة ملحة إلى قوانين أكثر وضوحا وحزما في تجريم المراهنات الإلكترونية وتجفيف منابعها المالية ومحاسبة كل من يروج لها أو يسهل الوصول إليها، كما يجب أن تواكب التشريعات التطور التكنولوجي السريع حتى لا تبقى النصوص القانونية متأخرة عن الواقع الرقمي المتغير.
أما السلطة القضائية، فدورها لا يقل أهمية، من خلال التطبيق الصارم والعادل للقانون، وردع المخالفين، وحماية الضحايا، مع مراعاة البعد الإنساني في التعامل مع الحالات التي وصلت إلى مرحلة الإدمان باعتبارها في كثير من الأحيان ضحية قبل أن تكون جانيا.
لا يمكن إغفال دور المجتمع المدني والإعلام والمؤسسات الدينية والتعليمية في مواجهة هذه الظاهرة ؛ فالمسئولية المجتمعية تفرض نشر خطاب توعوي صادق يفضح وهم المراهنات ويعيد الاعتبار لقيم العمل والاجتهاد، ويقدم بدائل إيجابية للشباب بدل تركهم فريسة للفراغ والإغراء الرقمي.
المراهنات الإلكترونية ليست مجرد “لعبة” أو وسيلة تسلية، بل خطر حقيقي يهدد الاقتصاد والأسرة والقيم المجتمعية. ومواجهتها تتطلب تضافر جهود الدولة والأسرة والتشريع والقضاء والمجتمع بأكمله؛ فحين يتحول الصمت إلى مشاركة غير مباشرة يصبح الخطر أكبر؛ أما الوعي المبكر فهو الطريق الوحيد لحماية الأسرة المصرية من هذا النزيف الصامت.