
الخبر المجهول والفوضى الرقمية.. حين يتحول زر المشاركة إلى سلاح ضد الدولة والمجتمع
د / عماد خالد
لم تعد أخطر الجرائم في عصرنا ترتكب بالسلاح… بل ترتكب بـمنشور، ضغطة واحدة على زر مشاركة قد تشعل سوقا أو تربك مؤسسة أوتثير ذعرا وقد تسيء لسمعة أبرياء أو تشعل فتنة لا يعلم أحد مداها.
نحن أمام ظاهرة لم تعد مجرد انحراف سلوكي عابر بل أمام فوضى معلوماتية منظمة تتغذى على الجهل أحيانا وعلى القصد الجنائي أحيانا أخرى .والمشكلة لم تعد في حرية التعبير… بل في إساءة استخدامها.
وسائل التواصل الاجتماعي حولت كل مستخدم إلى ناقل خبر. لكن الفرق الجوهري أن الصحفي يخضع لميثاق شرف ولرقابة مهنية ولمساءلة قانونية واضحة بينما المستخدم العادي غالبا لا يخضع إلا لضميره إن حضر. مما ينتج عن ذلك أخبار بلا مصدر ومعلومات مبتورة وعناوين مثيرة بلا سياق وتعليقات تحريضية تبنى على وقائع غير مثبتة وهنا تتحول حرية التعبير إلى سوق فوضوي للمعلومات.
في العلوم السياسية يعتبر الرأي العام عنصرا مؤثرا في صناعة القرار. لكن ماذا يحدث حين يبنى هذا الرأي على أخبار كاذبة؟
النتيجة بلا شك صدور قرارات استهلاكية واحكام من الراى العام خاطئة وسحب أموال من البنوك بناء على شائعة وتخزين سلع بسبب خبر غير دقيق وضغط شعبي على مؤسسات الدولة استنادا إلى معلومات غير صحيحة.
الإشاعة قد تتحول إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي بل إلى وسيلة من وسائل الحروب النفسية الحديثة . والأخطر أن بعض الجهات المعادية قد تستخدمها لزعزعة الثقة في الدولة ومؤسساتها ؛ فالخبر الكاذب لا ينتهي بتكذيبه حيث يبقى الأثر النفسي.
كما أن تكرار الشائعات يولد فقدان الثقة في المصادر الرسمية وانتشار الشك بين المواطنين وتضخيم الإحساس بالأزمات، وهنا نصبح أمام مجتمع يتعامل مع القلق باعتباره الحالة الطبيعية.
الديانات السماوية جميعها قررت مبدأ التثبت وفي كل الشرائع حظرت من نقل المعلومة دون تحقق صورة من صور الإضرار بالغير. المشكلة إذن ليست تقنية فقط… بل أخلاقية أيضا.
من الناحية القانونية نشر الأخبار غير الصحيحة قد يدخل تحت عدة أوصاف منها نشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم العام وفق المادة 188 من قانون العقوبات المصري . كما يمكن وصفها باستخدام موقع إلكتروني لارتكاب جريمة تمس الأمن أو النظام العام وفق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. أو جريمة إزعاج الغير أو إساءة استعمال وسائل الاتصالات . مع عدم الاخلال في بعض الحالات بالمسئولية المدنية التى تلزم مرتكب الجريمة بالتعويض الجابر حالة ثبوت الضرر المادي أو الأدبي للأخرين.
لكن الإشكالية الجوهرية تكمن في عنصرين: إثبات القصد الجنائي للقائم بالنشر ، ودقة التفرقة بين الرأي المشروع والخبر الكاذب ؛ فالرأي محمي دستوريا.
وعلينا أن نعى جيدا أن اختلاق الوقائع أو تقديم معلومات مجهولة المصدر على أنها حقائق ليس رأيا بل تضليلا.
وبالرغم من وجود نصوص قانونية فإن المواجهة تصطدم بعدة تحديات منها سرعة الانتشار للخبر مقابل بطء التقاضي ، وجود الحسابات الوهمية خارج الاختصاص الإقليمي وصعوبة ضبط الحدود بين النقد السياسي المشروع وبين نشر معلومات غير دقيقة وأخيرا غياب تعريف تشريعي جامع مانع لمفهوم الأخبار الكاذبة.
وهنا يبرز احتياج ضرورة تحرك المشرع إلى تطوير تعريفات أكثر دقة وتعزيز آليات الرصد الرقمي ودعم التعاون الدولي في الجرائم العابرة للحدود . لكن يجب الحذر أن أي تشديد تشريعي يجب ألا يتحول إلى تضييق على حرية التعبير المشروعة فالمعادلة الدقيقة هي ردع التضليل… دون تكميم الأفواه.
لكن المواجهة الأمنية أو القانونية وحدها غير كافية فالمعركة الحقيقية معركة وعي مجتمعى فالمجتمع الذي يتداول المجهول يضع نفسه في دائرة الشك والمشكلة لا تحل بتجريم المستخدمين فقط بل بإعادة بناء ثقافة التحقق قبل النشر.
والخلاصة الحرية ليست فوضى والرأي ليس اختلاقا والنشر ليس عبثا ، من يضغط مشاركة دون تحقق قد لا يقصد الإضرار لكنه قد يكون شريكا في صناعة أزمة.
والدولة مسئولة عن حماية الأمن العام والمشرع مسئول عن تطوير النصوص والحكومة مسئولة عن الشفافية وسرعة اعلان المعلومة لكن فى المقابل المواطن مسئول قبل الجميع عن ضميره.
لقد دخلنا عصرا أصبحت فيه الكلمة أقوى من الرصاصة وأسرع من القرار وأشد أثرا من البيان الرسمي فإما أن نحسن استخدامها… وإما أن ندفع جميعا ثمن الفوضى.