
فضائح جيفري إبستين ومسلسل السقوط.. إدعاء الديمقراطية وسقوط القيم
كتب / عادل رستم
في عالم يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان تبدو الديمقراطية أحيانًا عنوانًا لامعًا يخفي خلفه عتمة المصالح والنفوذ. ليست المشكلة في المفهوم بل في التطبيق حين تتحول القيم إلى شعارات للاستهلاك الإعلامي بينما تُدار الصفقات في الغرف المغلقة.
قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية لرجل أعمال نافذ بل كشفت شبكة معقدة من العلاقات مع شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية. هنا لم يكن السؤال فقط عن الجريمة بل عن الصمت الطويل وعن الحماية غير المعلنة التي أحاطت به لسنوات. كيف يمكن لمنظومة تدّعي الشفافية أن تسمح بتمدد هذا القدر من الفساد دون مساءلة حقيقية إلا بعد انفجار القضية أمام الرأي العام.
الديمقراطية الحقيقية تقوم على المحاسبة لا على الانتقائية. فإذا سقطت المحاسبة سقطت الثقة وإذا سقطت الثقة انهارت القيمة الأخلاقية للنظام كله. وحين يشعر المواطن أن العدالة تُطبّق على الضعفاء فقط بينما يتمتع الأقوياء بحصانة غير مكتوبة تبدأ الفجوة بين الشعار والواقع في الاتساع.
وفي الدراما جاء مسلسل السقوط ليعكس صورة رمزية لهذا التناقض. العمل لم يتوقف عند حدود الحكاية بل فتح نافذة على فكرة الانهيار حين تتآكل المبادئ من الداخل. السقوط هنا ليس حدثًا مفاجئًا بل نتيجة تراكمات تبدأ بتبرير الخطأ ثم الاعتياد عليه ثم الدفاع عنه. وهكذا تتحول القيم من خطوط حمراء إلى مناطق رمادية.
القاسم المشترك بين الواقع والدراما أن الانهيار لا يبدأ بضجيج بل بصمت. يبدأ حين نغض الطرف عن التجاوز بحجة المصلحة أو الاستقرار أو الحفاظ على الصورة العامة. لكن الصور المصطنعة لا تصمد طويلًا أمام الحقيقة.
إن ادعاء الديمقراطية دون ترسيخ ثقافة المساءلة يشبه بناء بيت بلا أساس. قد يبدو متماسكًا من الخارج لكنه ينهار عند أول اختبار حقيقي. والفضائح الكبرى ليست سوى لحظة كشف لما كان يتراكم في الخفاء.
في النهاية تبقى القيم هي صمام الأمان لأي مجتمع. فإذا تحولت الديمقراطية إلى مجرد لافتة دعائية فقدت روحها. أما حين تُصان القيم بالفعل لا بالقول تصبح الحرية مسؤولية والسلطة أمانة والمحاسبة قاعدة لا ستثناء.
وهنا يكمن الفرق بين نظام يكتفي بإدعاء الديمقراطية ونظام يحيا بها حقًا.