مقالات

القناعات والثوابت ومتغيرات العصر وهل يمكن أن يلتقوا دون صدام

بقلم عادل رستم

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه المفاهيم وتتغير فيه أدوات الحياة كل يوم يبدو الحديث عن القناعات والثوابت وكأنه حديث عن شيء قديم يقف في مواجهة المستقبل لكن الحقيقة أن الصراع ليس قدرا محتوما وأن الفجوة ليست حتمية بل كثيرا ما تكون ناتجة عن سوء فهم لمعنى الثابت ومعنى المتغير.

القناعات هي ذلك الصوت الداخلي الذي يتشكل عبر التجربة والتربية والمعرفة وهي التي تمنح الإنسان هويته الخاصة أما الثوابت فهي الإطار القيمي والأخلاقي الذي يستند إليه في الحكم على الأشياء واتخاذ المواقف بينما متغيرات العصر هي ما تفرضه التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة وأنماط الحياة الجديدة من تحولات متلاحقة.

المشكلة لا تبدأ حين يتغير العالم بل حين نتعامل مع كل جديد باعتباره تهديدا لكل قديم أو حين نذيب الثوابت تماما بحجة مواكبة العصر هنا فقط ينشأ الصدام إما جمود يرفض التطور أو اندفاع يفقد الجذور.

الاتساق الممكن لا يعني التنازل عن المبادئ ولا يعني أيضا الانغلاق بل يعني إعادة قراءة الثابت في ضوء الواقع وفهم المتغير من خلال منظومة القيم فالقيم الكبرى كالصدق والعدل والرحمة واحترام الإنسان لا تتغير لكن وسائل تطبيقها وأساليب التعبير عنها قد تختلف من زمن لآخر.

حين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي تغير شكل الحوار ولم تتغير قيمة الكلمة وحين تطورت أنماط العمل لم تتغير قيمة الأمانة وحين تسارعت المعرفة لم تتغير قيمة التعلم المستمر الثابت هو الجوهر أما المتغير فهو الأداة.

الإنسان المتزن هو من يملك مرونة في الوسائل وثباتا في المقاصد فهو لا يعيش أسير الماضي ولا ذائبا في الحاضر بل يبني جسرا بينهما يدرك أن العصر ليس خصما للقيم وأن القيم ليست عائقا أمام التقدم بل هي البوصلة التي تمنع التيه وسط الزحام.

إن إمكانية الاتساق بين القناعات والثوابت ومتغيرات العصر ليست مجرد فكرة نظرية بل هي ضرورة للحفاظ على الهوية دون أن نفقد القدرة على التكيف فالمجتمعات التي استطاعت أن تحافظ على جذورها وهي تنفتح على العالم هي التي صنعت حضارتها واستمرت.

في النهاية يبقى السؤال الحقيقي ليس هل نتغير أم لا بل كيف نتغير دون أن نفقد أنفسنا وكيف نحافظ على أنفسنا دون أن نتوقف عن الحركة بين هذين السؤالين تتشكل رحلة الإنسان الواعي الباحث عن معنى في زمن سريع الإيقاع.