
الإيقاع السريع للحياة.. بقلم / عادل رستم
لم تعد الحياة تمشي على مهل كما كانت تفعل في زمن الرسائل الورقية وانتظار المواسم وتأنّي القرارات بل أصبحت تركض ركضا محموما كأنها تخشى أن يفوتها شيء لا يُدرك.
نستيقظ على صوت التنبيهات وننام على ضوء الشاشات وبينهما سباق لا يتوقف مع الوقت والعمل والأخبار والالتزامات.
الإيقاع السريع للحياة لم يأت من فراغ بل صنعته التكنولوجيا وتسارُع المعرفة وضغط المنافسة وتغيّر مفهوم النجاح.
صار الإنسان يقيس يومه بعدد المهام المنجزة لا بعمق اللحظات المعاشة
ويقيس علاقاته بسرعة الرد لا بحرارة المشاعر
ويقيس قيمته بمدى حضوره الرقمي لا بطمأنينته الداخلية.
هذا التسارع منحنا أشياء كثيرة
سهولة الوصول إلى المعلومة
فرصا أوسع للعمل
تواصلا فوريا مع العالم
لكنه في الوقت نفسه انتزع منا أشياء لا تعوّض
هدوء البال
متعة الانتظار
القدرة على التأمل
وفسحة الصمت التي كانت تعيد ترتيب الروح.
في الإيقاع السريع تضيع التفاصيل الصغيرة
فنجان القهوة الذي كان طقسا أصبح استراحة عابرة
الزيارة التي كانت جلسة ممتدة أصبحت مكالمة مقتضبة
والحديث الذي كان يفيض حكايات صار رسائل قصيرة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في السرعة ذاتها بل في فقدان السيطرة عليها
حين تتحول السرعة من أداة إلى سيد
وحين يصبح الانشغال غاية في ذاته لا وسيلة لتحقيق معنى
عندها يبدأ الإنسان في الشعور بالفراغ رغم الامتلاء وبالإرهاق رغم قلة الجهد الحقيقي.
الحياة السريعة تحتاج وعيا أبطأ
نحتاج أن نختار متى نسرع ومتى نتمهل
أن نغلق الهاتف أحيانا لنفتح نافذة الروح
أن نؤجل سباقا لنربح سلاما
أن نستعيد حقنا في البطء كفعل مقاومة حضارية.
ليست الحكمة في أن نعيش خارج عصرنا
بل في أن نعيش داخله دون أن يبتلعنا
أن نستفيد من سرعته دون أن نفقد جذورنا
وأن نُبقي في أيامنا مساحة للتأمل
وللإنصات
وللحب الذي لا يُقاس بالثواني.
فالحياة مهما تسارعت تظل في جوهرها لحظة شعور
ومن لا يتوقف ليشعر
يفوته العمر وهو يظن أنه ينجزه.