
عندما تدق أجراس الرحمة
بقلم الدكتور / السيد مرسى الصعيدى
عندما تفتح البيوت نوافذها قبل المغرب بدقائق، وكأنها تستعد لاستقبال ضيف عزيز، يعرف طريقه بلا عنوان، ويجلس في صدر المجلس بلا استئذان، اسمه رمضان، لا يحمل بطاقة دعوة، ولا يحتاج إلى تعريف، يكفي أن يمرّ طيفه في الشوارع حتى تتبدل الوجوه، وتلين الأصوات، ويصبح الجار أكثر صبراً، والبقال أكثر سماحة، ورب الأسرة أكثر شاعرية، لأنه شهر الرحمة والرحمة – يا سادة – ليست كلمة تُعلَّق على لافتة مسجد، ولا تُقال في خطبة ثم نعود بعدها إلى الشجار على ركن السيارة، الرحمة في رمضان طبق إضافي على المائدة، وكرسي يُسحب لضيفٍ جاء بلا موعد، وكلمة (شرفتنا) تقولها الأم وهي منهكة، و(تفضل )يقولها الأب وهو يحسب المصروف في سره، في هذا الشهر، تجتمع الأسرة على مائدة واحدة. مائدة قد تكون عامرة، وقد تكون متواضعة، لكن ما يجلس عليها أغلى من الطعام: يجلس الحب، وارفعها على الاطلاق حب الله العلي القدير، حبٌ لا يُرى، لكنه يُرى في كل شيء.في دعوةٍ خافتة قبل الأذان، في دمعةٍ تسقط دون استئذان، في يدٍ تُرفع إلى السماء كأنها تقول: «يا رب… نحن هنا، فكن معنا ، ثم يأتي حب الوالدين… ذلك الحب الذي لا يعرف البلاغة، لكنه يعرف التضحية، الأم في رمضان تصبح وزارة تموين كاملة الصلاحيات، ورئيسة أركان المطبخ، وسفيرة الرحمة في البيت، تتنقل بين الأواني كقائد معركة، وتخرج منها منتصرة قبل الأذان بدقيقة واحدة، ثم تجلس لتسمع كلمة (تسلم إيدكِ) والأب… يحاول أن يبدو صلباً، لكنه يرقّ في لحظة دعاء، ويشعر – ولو أخفى ذلك – أن اجتماع أولاده حوله أكبر مكافأة حصل عليها في حياته.ثم حب الأبناء… أولئك الذين يملؤون البيت ضجيجاً في النهار، ونوراً في الليل.يسألون: لسه فاضل قد إيه على الأذان؟ عشر مرات في عشر دقائق، كأنهم يفاوضون الزمن، ويتشاجرون على مكانهم بالمائدة، ثم يتصالحون عند أول رشفة ماء.
هم الدرس اليومي في أن الحياة،.حب الأسرة… ليس صورة على وسائل التواصل، ولا تهنئة منمقة تُنسخ وتُلصق هو صبرٌ على اختلاف الطباع، وتنازلٌ صغير هنا، وابتسامةٌ هناك، و تقول لأخيك: «حقك عليّ» قبل أن يقولها هو، وأن تؤجل غضبك احتراماً لحرمة الشهر، ويأتي حب العمل… ذلك الحب الذي يبدو بعيداً عن أجواء التراويح، لكنه في حقيقته عبادة،أن تؤدي عملك بإخلاص وتحب من حولك بدون أسباب ومسببات
وأخيرا …رمضان ليس ثلاثين يوماً في التقويم…بل فرصة ثلاثين مرة للعودة الى الله، وإلى الذين نحبهم… قبل أن يفوت الأوان، فإذا انقضى الشهر، لا تدعوه يرحل كله احتفظوا بشيء من رحمته في قلوبكم،
وبشيء من دفئه على موائدكم، وبشيء من صفائه في كلماتكم.