مقالات

من لا يتألم لا يتعلم.. بقلم / عادل رستم

في رحلة الحياة لا يولد الوعي من الرفاهية الدائمة ولا تصنع الأيام السهلة إنسانا صلبا عميق الفهم فالألم ليس عدوا كما نتصور بل هو معلم قاس صادق يكشف لنا ما خفي عنا ويوقظ في داخلنا طاقات لم نكن نعلم بوجودها.

حين نتعثر نتعلم كيف نثبت أقدامنا وحين نخسر ندرك قيمة ما كان بين أيدينا وحين نصاب بخيبة أمل نعيد ترتيب توقعاتنا ونعرف أن الحياة لا تسير دائما وفق ما نشتهي الألم يعيد تشكيل وعينا وينزع عنا أوهام القوة الزائفة ويمنحنا قوة حقيقية نابعة من التجربة.

الطفل لا يتقن المشي إلا بعد سقوط متكرر والطالب لا يرسخ العلم في ذهنه إلا بعد محاولات وأخطاء والإنسان لا ينضج إلا حين يمر بلحظات ضعف وانكسار في تلك اللحظات تتكون الحكمة وتولد الرحمة ويصبح القلب أكثر فهما لمعاناة غيره وأكثر قدرة على احتواء العالم من حوله.

الألم لا يعني الهزيمة بل قد يكون بداية التحول من مرحلة إلى أخرى من سطحية إلى عمق ومن اندفاع إلى اتزان ومن ثقة عمياء إلى وعي بصير كل جرح يحمل درسا وكل دمعة تترك أثرا يصقل الروح ويهذب المشاعر ويمنح صاحبه بصيرة لا تكتسب بالكلمات وحدها.

وليس المقصود تمجيد المعاناة أو البحث عنها بل فهم رسالتها حين تأتي فبعض الدروس لا تكتب بالحبر بل تكتب بالتجربة وبعض الحقائق لا تسكن العقول حتى تمر على القلوب وتختبرها الأيام.

ومن هنا تأتي مسؤوليتنا تجاه أبنائنا فلا ينبغي أن نحجب عنهم كل تجربة خوفا عليهم أو أن نمهد لهم الطريق بالكامل حتى لا يتعثروا يجب أحيانا أن نترك لهم مساحة من الحركة وخوض التجربة حتى إن لم ينجحوا وحتى إن تألمنا نحن لمعاناتهم فالسقوط الذي نخشاه عليهم قد يكون هو ذاته الدرس الذي يصنع قوتهم وغداهم الأفضل.

من لا يتألم قد يعيش حياة هادئة لكنه قد يفوته الكثير من الفهم أما من ذاق الألم وصبر وتأمل فإنه يخرج أكثر قوة وأكثر إدراكا لمعنى الحياة فالتجارب المؤلمة ليست نهاية الطريق بل هي أحيانا بوابة العبور نحو نضج أعمق وإنسان أكثر وعيا ورحمة.

وفي ختام هذا المقال أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتور سامح عطا الذي أهداني هذا العنوان الملهم فكان شرارة الفكرة ومنحني مفتاح التأمل بينما غصت أنا في التفاصيل أستنطق المعاني وأستخرج من عمق التجربة ما يستحق أن يروى فله مني كل الامتنان على عنوان فتح أبواب الفكر وأضاء مسار الكلمات.