مقالات

في زمن الحرب الجميع خبراء استراتجيين خلف الشاشات

بقلم / عادل رستم

حين نتحدث عن أن الآراء يجب أن تُبنى على المعلومات لا على الكلام المرسل فإن أخطر ساحة يظهر فيها هذا المعنى هي ساحة المواجهات العسكرية الجارية الآن في أجواء الحرب تتضخم الشائعات وتتعدد الروايات وتتسابق الأطراف إلى صياغة سرديتها الخاصة كل طرف يعلن انتصاره وكل منصة تنقل زاوية مختلفة وكل متابع يميل لما يوافق موقفه المسبق وهنا يصبح الوعي ضرورة لا ترفا.

المواجهة العسكرية ليست مجرد طلقات وصواريخ بل هي أيضا حرب معلومات وبيانات وتصريحات متناقضة ما يقال في الساعات الأولى قد يتغير بعد أيام وما يبدو حسما قد يتبين أنه جولة ضمن صراع أطول لذلك فإن تبني موقف حاد أو إصدار حكم نهائي استنادا إلى فيديو مقتطع أو تصريح منفرد هو مغامرة فكرية غير محسوبة.

القرار الرشيد في مثل هذه اللحظات سواء كان قرار دولة أو قرار مواطن بسيط يبدأ بالسؤال من المصدر ما طبيعة المعلومات ما مدى موثوقيتها ما السياق السياسي والاقتصادي المحيط ما المصالح التي تحرك الخطاب الإعلامي.

المبالغة في التهويل تصنع ذعرا غير مبرر والمبالغة في التهوين تصنع وهما خطيرا وبين الاثنين تضيع الحقيقة إن التوازن يقتضي قراءة المشهد من زوايا متعددة وفهم أن كل معلومة في زمن الحرب قد تكون جزءا من استراتيجية أوسع.

المطلوب ليس الحياد العاطفي تجاه القضايا المصيرية بل الحياد العقلي عند تقييم الأخبار لا يجوز أن تتحكم العاطفة وحدها في تشكيل القناعة ولا أن يتحول الانحياز إلى بديل عن التحليل.

في زمن المواجهة العسكرية تتأكد القاعدة أكثر من أي وقت مضى الرأي موقف شخصي أما المعلومة فهي أساس مشترك والقرار الذي يبنى على معلومات دقيقة وتحليل هادئ يكون أقرب إلى حماية المصالح وأبعد عن الانجرار وراء عواصف اللحظة.

فالمعركة قد تكون في الميدان لكن مستقبل الأوطان يتشكل في العقول التي تميز بين الخبر والرأي وبين الحقيقة والدعاية وبين اللحظة والانفعال وبين القراءة الواعية والاندفاع غير المحسوب.