آراء وتحليلات

طالبة كفيفة… ومنظومة عمياء

بقلم الدكتور / السيد مرسى الصعيدى 

في منتصف الطريق بين النصوص الدستورية، والواقع المدرسى والجامعى المتعثر، تقف قصة طالبة كفيفة رسبت لا لقصور في عقلها، بل لأن “المرافق” في الامتحان غير مؤهلاً علمياً ولا مدركاً لجلال المهمة.

وهنا تبدأ الحكاية… لا باعتبارها واقعة فردية، بل باعتبارها مرآة تعكس خللاً في منظومة التعليم والتي يفترض أنها قامت – دستوراً وقانوناً – على مبدأ تكافؤ الفرص، في واقعة حدثنى عنها فضيلة الدكتور خليفة البدرى عضو هيئة التدريس بجامعة الازهر فرع السادات وفيها رسبت طالبة لأن المرافق – الذي يفترض أنه وسيط محايد –غير متعلم، ضعيف التعبير، غير مدرك للفارق بين الأمانة العلمية والاجتهاد الشخصي؟

بالمخالفة للقانون رقم 10 لسنة 2018، ولائحته التنفيذية، الذى أعطى حقوقاً شاملة للمكفوفين، وتهدف لدمجهم تعليمياً واجتماعياً، يشمل ذلك الحق في التعليم المجاني، دمجهم بالمدارس العامة، توفير مناهج برايل، والالتزام بنسبة 5% للقبول في المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى تدريب الكوادر البشرية وتقديم الإعانات المالية لدعمهم، فالكفيف لم يعد ينتظر الشفقة، بل يسعى إلى المعرفة. سواء من خلال “ لابتوباً ناطقاً”، تعلّم استخدام برامج القراءة الآلية، وأتفان تطبيقات التحويل الصوتي إلى نص، مما يجعله قادراً على البحث وربما التفوق على المبصرين، لأن بعضهم لا يطلب أكثر من امتحان شفهي عادل، أو الامتحان عبر أجهزة برايل أو الحاسوب المخصص، إنها أدوات علم، لا امتيازات استثنائية، ولا سيما في إطار رؤية الدولة، 2030 لتؤكد أن تمكين ذوي الإعاقة ليس منحة، بل حق ، وفق ما أطلقته الحكومة المصرية “بطاقة الخدمات المتكاملة” لتكون مدخلاً إلى التعليم الدامج، والتأهيل، والتكنولوجيا المساعدة. كما تبنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني سياسات الدمج التعليمي، وأعلنت أن أبناءنا المكفوفين جزء من نسيج العملية التعليمية، لا هامشاً فيها.

فحين يُختزل مستقبل كفيف سواء بالتعليم الأزهري او العام في مستوى ثقافة مرافقها، نكون قد نقلنا مركز التقييم من العقل الى القلم ، وهنا يكمن الخطر، فالمكفوفون في مصر ليسوا شريحة ضئيلة يمكن تجاهلها. إنهم طاقة بشرية فاعلة، أثبتت التجارب أن الاستثمار في تعليمها يعود على المجتمع أضعافاً. التاريخ الحديث يقدم نماذج مضيئة، ولنا في سيرة طه حسين ما يذكرنا بأن فقدان البصر لم يكن يوماً عائقاً أمام البصيرة.

وأخيرا …. القضية إذن ليست عاطفية، بل مؤسسية، هل هناك معايير واضحة لاختيار المرافقين؟ هل يخضعون لاختبار علمي أو تدريبي؟ هل توجد رقابة حقيقية داخل لجان الامتحان؟ ولماذا لا يُتاح – كخيار أصيل – الامتحان الشفهي أو الإلكتروني المؤمّن عبر أجهزة ناطقة معتمدة من الوزارة؟