مقالات

حين يصبح الإلحاح ثقلا لا يحتمل.. بقلم / عادل رستم

ثمة مشهد يتكرر كثيرا في حياتنا اليومية ذبابة تقف على وجه إنسان فيحاول طردها فتطير قليلا ثم تعود وكأن شيئا لم يحدث يلوح بيده مرة أخرى فتبتعد لحظة ثم تعود من جديد وكأنها لا تفهم الإشارة ولا تقرأ الضجر ولا تشعر بالضيق
هي حركة صغيرة لكنها تحمل معنى كبيرا فالذباب لا يتعلم من التجربة ولا يملك حس التقدير للمكان أو الموقف ولا يدرك أن وجوده ثقيل وأن تكرار حضوره مزعج فيستمر في الدوران حول نفس النقطة وكأن الإلحاح سيمنحه حق البقاء.

والغريب أن هذا السلوك لا يقتصر على الذباب وحده فبعض البشر يتصرفون بالطريقة نفسها يقتربون حيث لا مكان لهم ويتدخلون حيث لا دور لهم ويكررون حضورهم رغم وضوح الرسالة بأن وجودهم غير مرحب به.

يحاول الناس أحيانا طرد هذا النوع من البشر بالهدوء مرة وبالتجاهل مرة وبالوضوح مرة أخرى لكنهم يعودون في كل مرة وكأنهم لم يسمعوا شيئا وكأن الإلحاح فضيلة والاقتحام شجاعة بينما الحقيقة أن الكرامة في الفهم لا في الإصرار.

فالإنسان الحقيقي هو من يقرأ الإشارات ويقدر المسافات ويحترم خصوصية الآخرين أما من يصر على الحضور رغم وضوح الرفض فإنه لا يختلف كثيرا عن تلك الذبابة التي تطير لحظة ثم تعود لتقف في المكان نفسه.

الحياة لا تحتاج إلى ضجيج الذباب بل تحتاج إلى بشر يعرفون متى يقتربون ومتى يبتعدون ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف محاولة حضور.