مقالات

اللي على رأسه بطحة.. بقلم / عادل رستم

من الحكم الشعبية التي توارثها الناس جيلا بعد جيل ذلك المثل الشهير اللي على رأسه بطحة وهو تعبير بسيط لكنه يحمل معنى عميقا في فهم النفس البشرية فالمقصود به أن الإنسان الذي يشعر بالخطأ أو يحمل في داخله شيئا يخفيه يكون أكثر الناس حساسية تجاه الكلام وأكثرهم ظنا أن الحديث موجه إليه حتى وإن كان عاما لا يقصد شخصا بعينه.

هذا المثل لم يأت من فراغ بل من ملاحظة دقيقة لسلوك الناس في حياتهم اليومية فالإنسان عندما يكون مطمئن الضمير لا يلتفت كثيرا إلى الكلام العام ولا يرى نفسه في كل نقد أو إشارة أما من يحمل في داخله شعورا بالذنب أو التقصير فإنه يتعامل مع الكلمات وكأنها مرآة تكشف ما يحاول إخفاءه.

ولذلك كثيرا ما نرى في النقاشات العامة أو الأحاديث العادية من يبادر بالدفاع عن نفسه قبل أن يوجه إليه أي اتهام وكأن في داخله إحساسا خفيا بأن الكلام يمسه بطريقة أو بأخرى وهنا تتجلى الحكمة الشعبية التي اختصرت هذا المعنى بعبارة بسيطة تقول اللي على رأسه بطحة.

وفي المقابل فإن الإنسان الذي يسير في حياته بوضوح وصدق مع نفسه لا يثقل كاهله كلام عابر ولا يرهقه نقد عام لأنه يعرف أين يقف وما الذي يفعله فالطمأنينة التي يمنحها الضمير الحي تجعل صاحبه أكثر هدوءا وأقل انشغالا بما يقال حوله.

الحكمة الحقيقية في هذا المثل لا تقف عند كشف سلوك الآخرين فقط بل تدعونا أيضا إلى مراجعة أنفسنا فبدلا من أن ننشغل بمن قال وماذا قصد قد يكون الأجدر أن نسأل أنفسنا لماذا شعرنا أن الكلام يعنينا أصلا فربما كانت الإجابة داخلنا قبل أن تكون في كلام الآخرين.

وهكذا يبقى المثل الشعبي اللي على رأسه بطحة واحدا من تلك العبارات البسيطة التي تختصر خبرة طويلة في فهم طبائع البشر وتذكرنا دائما أن سلامة الضمير هي الطريق الأقصر للراحة والطمأنينة في زحام الحياة.