
عندما يدخل البنزين المعركة
بقلم الدكتور / السيد مرسى الصعيدى
في هذه الأيام، لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة جغرافية، بل أصبح – كما يقول أهل السياسة – «حالة مزاجية». فالأخبار تتقافز من شاشة إلى شاشة: صواريخ هنا، تهديدات هناك، وتصريحات نارية تكفي وحدها لتشغيل محطة كهرباء لمدة عام، فالحكاية بدأت كالعادة بخلاف كبير بين الكبار. أمريكا وإسرائيل من ناحية ، وإيران من ناحية أخرى، وكل طرف يتكلم بثقة شديدة، وكأن الشرق الأوسط قطعة شطرنج على طاولة في نادي سياسي مغلق،أما نحن، سكان الرقعة نفسها، فدورنا بسيط للغاية: أن نفتح التلفزيون، ونحاول فهم ما يحدث، ثم نذهب في الصباح لنكتشف أن سعر البنزين زاد ثلاثة جنيهات! والعجيب أن الصاروخ عندما ينطلق في مكان ، فإن أول من يصاب بالدوار ليس الجنرالات ولا وزراء الدفاع، بل سائق التاكسي عندنا في الحي، الذي يقف أمام محطة البنزين واضعًا يده على رأسه، كأنه يحاول حل معادلة نووية.
أحد الأصدقاء قال لي وهو يتابع نشرة الاخبار بحماس: هل الحرب العالمية الثالثة بدأت! فقلت له بهدوء:يا سيدي دعك من الحرب العالمية الثالثة… أخبرني أولًا: كم أصبح سعر لتر البنزين؟ وذلك لأن الشرق الأوسط، السياسة الكبرى لها ترجمة بسيطة جدًا، القصف هناك…يقابله ارتفاع هنا، التصعيد هناك يقابله تضخم هنا ، والتصريحات النارية هناك… يقابلها اشتعال في أسعار الطماطم والبطاطس ، ولأن المصرى بطبيعته صاحب خيال واسع، فقد بدأ يربط بين كل شيء وكل شيء، إذا عطس مسؤول في واشنطن، توقع الناس أن يرتفع سعر البنزين، وإذا تشاجر محللان على شاشة تلفزيون، استعدت الأسواق لزيادة أسعار السلع.
فالشرق الأوسط يعيش منذ نصف قرن من الزمان على صفيح ساخن، والصفيح هذه المرة فوق موقد غاز شديد الالتهاب، والجميع يتحدث عن التوازنات الاستراتيجية، بينما المواطن البسيط يفكر في توازن واحد فقط: كيف يوازن بين راتبه الثابت وأسعار تتحرك بسرعة الصواريخ! وقد أصبح من المألوف أن يجلس الناس بعد الانتهاء من وجبة الإفطار في رمضان يناقشون السياسة الدولية كما لو كانوا أعضاء في مجلس الأمن – أحدهم يقول بثقة: إيران لن تسكت، ويرد الآخر: أمريكا لن تسمح، أما الثالث – وهو الأكثر حكمة بينهم – فيقول: يا جماعة ليذهب الجميع الى الجحيم… المهم ليس الصاروخ الباليستي…بل فاتورة البنزين.
وأخيرا …السياسة قد تشعل حربًا، لكن البنزين هو الذي يشعل جيوب الناس! ولهذا نقول بثقة إن الشرق الأوسط لا يقف فقط على صفيح ساخن… بل على صفيح ساخن يدفع ثمنه المواطن عند كل محطة وقود.