
فرق تسد… حين تتحول الفكرة إلى سلاح.. بقلم عادل رستم
ليست كل الحروب تُخاض بالمدافع ولا تُحسم بالدبابات. هناك حروب أكثر دهاءً وأقل كلفة لكنها أشد فتكًا… حروب تُدار في العقول قبل أن تصل إلى الأرض. عبارة “فرق تسد” لم تكن مجرد شعار عابر في كتب التاريخ بل كانت ولا تزال عقيدة راسخة في الفكر الاستعماري تُستخدم حين يكون احتلال الأرض مكلفًا، بينما احتلال الوعي أسهل وأبقى.
ولا يتوقف هذا الأسلوب عند حدود الدولة الواحدة بل يمتد ليمارس دوره بين الشعوب نفسها. فتُزرع الكراهية بين الدول وتُغذى النزاعات العرقية والدينية وتُصنع عداوات وهمية أو يُعاد إحياء صراعات قديمة حتى تنشغل الشعوب ببعضها البعض. وهكذا تتحول العلاقات بين الدول من تعاون محتمل إلى صراع دائم يبدد الطاقات ويستنزف الموارد بينما يقف المستفيد الحقيقي بعيدًا يدير المشهد دون أن يتحمل كلفته.
هذا الأسلوب يقوم على تفكيك المجتمعات من الداخل بزرع بذور الشك والفرقة بين مكوناتها. لا يحتاج إلى جيوش جرارة ولا طائرات مقاتلة بل يكفيه خطاب موجّه وإشاعة مدروسة ونفوس قابلة للاصطفاف خلف الوهم. وحين تنجح هذه الخطة يتحول أبناء الوطن الواحد إلى خصوم ويتكفلون هم بأنفسهم بهدم ما عجز عنه العدو.
الأخطر في هذه المعادلة أن المستهدف الأول ليس أصحاب العقول الواعية بل تلك الفئة التي تنساق بسهولة خلف الشعارات البراقة وتُستدرج نحو “الطُعم” دون تفكير. هؤلاء يصبحون أدوات غير مدركة في يد من يدير اللعبة، يرددون ما يُملى عليهم ويخوضون معارك لا يعرفون حقيقتها ظنًا منهم أنهم يدافعون عن حق بينما هم في الواقع يخدمون مخططًا أكبر.
ومع تطور وسائل الاتصال أصبحت “فرق تسد” أكثر انتشارًا وتأثيرًا. لم تعد تحتاج إلى عميل على الأرض بل يكفي منشور على وسائل التواصل أو مقطع فيديو مُفبرك ليُشعل فتنة أو يُعمّق انقسامًا. وهنا تتضاعف المسؤولية لأن المعركة لم تعد بعيدة بل تدور داخل كل بيت، وعلى شاشة كل هاتف.
إن الوعي هو السلاح الوحيد القادر على كسر هذه القاعدة. حين يدرك الناس حقيقة ما يُحاك لهم ويتجاوزون خلافاتهم الضيقة لصالح المصلحة العامة تسقط هذه الاستراتيجية تلقائيًا. فالوطن الذي يتماسك أبناؤه لا يمكن اختراقه مهما تعددت أساليب العدو.
“فرق تسد” تنجح فقط حين نسمح لها بذلك. أما إذا أدركنا أن اختلافنا لا يجب أن يتحول إلى صراع وأن تنوعنا مصدر قوة لا ضعف، فإننا لا نحبط مخططًا فقط بل نعيد صياغة المعادلة بالكامل… من “فرق تسد” إلى “اتحد تصمد”.