
نظرية النصر السردي حين يتحول الانتصار إلى رواية والهزيمة إلى حقيقة مشتركة
بقلم / عادل رستم
في الحروب الحديثة لم يعد النصر يقاس فقط بعدد الأراضي التي تستعاد أو الجيوش التي تتقدم بل أصبح يصاغ ويروى ويسوق هنا تظهر ما يمكن تسميته بنظرية النصر السردي حيث يسعى كل طرف إلى بناء روايته الخاصة للانتصار حتى وإن كانت النتائج على الأرض تقول شيئا مختلفا تماما
النصر السردي هو القدرة على إقناع الداخل والخارج بأنك المنتصر عبر الإعلام والخطاب السياسي والصورة الذهنية التي ترسم في عقول الشعوب لم تعد الحقيقة الميدانية وحدها كافية بل أصبحت الرواية هي ساحة المعركة الأكثر تأثيرا واستمرارية.
في الحروب التقليدية القديمة كان المنتصر واضحا طرف يرفع رايته فوق أرض خصمه وطرف ينسحب مهزوما أما اليوم فالمشهد أكثر تعقيدا قد تنتهي الحرب دون حسم حقيقي لكن كل طرف يعلن النصر مستندا إلى رواية يعيد تشكيلها بما يخدم أهدافه وهنا تتعدد الانتصارات على الورق بينما تتوحد الخسائر على الأرض.
عند التأمل في كثير من الصراعات الحديثة نجد أن الكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية تفوق أي مكاسب محتملة مدن مدمرة اقتصادات منهكة نسيج اجتماعي ممزق وأجيال تحمل آثار الصدمة لسنوات طويلة في هذه اللحظة يتجلى التناقض الصارخ كيف يمكن الحديث عن نصر بينما الجميع يدفع الثمن.
النصر السردي في جوهره ليس كذبا بالضرورة بل هو انتقاء للحقيقة كل طرف يسلط الضوء على ما يدعمه ويتجاهل ما يضعفه يتم تضخيم الإنجازات وتقليل الخسائر وإعادة تفسير الوقائع بما يتماشى مع الهدف السياسي أو المعنوي وهكذا تتحول الحرب من صراع على الأرض إلى صراع على الوعي
لكن مع مرور الوقت تتكشف الفجوة بين الرواية والواقع فالمواطن الذي يعيش تداعيات الحرب يوميا لا يمكن إقناعه طويلا بأنه منتصر بينما يعاني من فقدان الأمن أو تراجع مستوى المعيشة وهنا تبدأ الرواية في التآكل ويظهر السؤال الحقيقي من انتصر فعلا.
الإجابة المؤلمة أن الحروب الحديثة كثيرا ما تنتهي بحقيقة واحدة لا أحد ينتصر بالكامل ولا أحد يخرج دون خسارة قد يحقق طرف مكسبا سياسيا أو عسكريا جزئيا لكن الثمن المدفوع غالبا ما يفوق هذا المكسب وفي ميزان الإنسانية تتحول كل انتصارات الرواية إلى هزيمة مشتركة.
إن أخطر ما في النصر السردي أنه قد يطيل أمد الصراعات فطالما أن كل طرف يعتقد أو يقنع نفسه بأنه منتصر تقل فرص التنازل أو البحث عن حلول وسط وهكذا تستمر الحروب لا لأن النصر ممكن بل لأن الهزيمة غير معترف بها.
في النهاية ربما نحتاج إلى إعادة تعريف النصر ذاته فالنصر الحقيقي في عالم اليوم قد لا يكون في هزيمة الخصم بل في تجنب الحرب من الأساس أو إنهائها بأقل الخسائر الممكنة أما الإصرار على صناعة نصر سردي في ظل واقع مثقل بالخسائر فهو مجرد تأجيل للاعتراف بالحقيقة
حقيقة بسيطة لكنها قاسية.
في الحروب الحديثة قد يختلف الجميع على من انتصر لكنهم يتفقون صامتين على أن الكل خاسر.