مقالات

إعدام الأسرى جريمة بكل المقاييس وتغيير خطير في الثوابت الأخلاقية والتشريعات الدولية

كتب / عادل رستم

في زمن يفترض أن الإنسانية بلغت فيه أعلى درجات الوعي القانوني والحقوقي تعود بعض المشاهد الصادمة لتذكرنا بأن الحرب لا تزال تحمل في طياتها وجها مظلما يتجاوز كل القيم والأعراف من بين هذه الانتهاكات يبرز إعدام الأسرى كواحدة من أبشع الجرائم التي لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف لا سيما وأنها تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وتفتح الباب أمام تحولات خطيرة في الثوابت القيمية والدولية.

إن الأسير وفقاً لكل المواثيق الدولية لم يعد طرفا في القتال بل أصبح إنسانا مجردا من سلاحه له حقوق واضحة تكفل له الحماية والمعاملة الكريمة وقد أكدت اتفاقيات جنيف على ضرورة الحفاظ على حياة الأسرى وتجريم أي اعتداء عليهم بما في ذلك التعذيب أو الإعدام وبالتالي فإن تصفية الأسرى لا تعد فقط جريمة حرب بل تمثل أيضا سقوطا أخلاقيا مدويا يكشف عن غياب أي التزام بالقيم الإنسانية.

وعلى المستوى القيمي والاخلاقي فإن هذه الممارسات تحدث خللا في توازن الردع وتدخل الصراعات في دوامة من التصعيد غير المحسوب فحين يقتل الأسرى تنتفي قواعد الاشتباك التقليدية ويصبح الرد بالمثل احتمالا قائما ما يهدد بتوسيع دائرة العنف ويقوض فرص التهدئة أو الحلول السياسية إن احترام حياة الأسرى كان دائما أحد صمامات الأمان التي تبقي الصراعات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها أما كسر هذا الحاجز فينذر بفوضى مفتوحة.

أما على الصعيد الدولي فإن السكوت عن مثل هذه الجرائم يضعف من هيبة النظام القانوني العالمي ويطرح تساؤلات جدية حول جدوى المؤسسات الدولية في فرض قواعد العدالة كما أنه يخلق سابقة خطيرة قد تدفع أطرافا أخرى لتبني نفس النهج في ظل غياب المحاسبة الرادعة وهو ما يهدد بنسف ما تم بناؤه عبر عقود من التشريعات والاتفاقيات.

إن إعدام الأسرى ليس مجرد فعل إجرامي معزول بل هو مؤشر على انزلاق خطير نحو تآكل القيم الإنسانية في زمن الصراعات ومن هنا فإن التصدي لهذه الظاهرة لا يجب أن يكون فقط بالإدانة بل بفرض آليات حقيقية للمساءلة تضمن عدم الإفلات من العقاب وتعيد الاعتبار للقانون الدولي كمرجعية لا يمكن تجاوزها.

في النهاية تبقى إنسانية الحروب مرهونة بمدى التزام أطرافها بالقواعد التي تحمي من خرجوا من دائرة القتال وإذا سقط هذا الالتزام فإن العالم يكون قد خطا خطوة جديدة نحو فوضى لا تحكمها قواعد ولا يردعها قانون.