
حين لا يشبهك الآخرون تبدأ الحكاية.. بقلم عادل رستم
في كل مرحلة من مراحل العمر نظن أننا وصلنا إلى قدر كاف من الفهم وأن خبراتنا أصبحت قادرة على تفسير ما يدور حولنا لكن الحقيقة التي تتكشف بهدوء مع مرور الأيام أن مساحة الجهل أكبر بكثير مما نتصور وأن التعلم ليس محطة بل رحلة لا تنتهي.
هذه الحقيقة ليست مدعاة للإحباط بل هي أحد أهم مفاتيح النضج الإنساني لأن إدراكنا أننا لا نعرف كل شيء يفتح لنا باب التواضع ويجعلنا أكثر استعدادا للاستماع والتفهم ويمنحنا مرونة في التعامل مع الآخرين
وفي خضم هذا التعلم المستمر نصطدم بفوارق واضحة بين الناس فوارق في التفكير وفي التقدير وفي أساليب التعامل وقد تبدو هذه الفوارق أحيانا وكأنها صراع خفي يحتاج إلى إدارة وتفاوض أكثر من كونه مجرد اختلاف طبيعي.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في اختلاف الناس بل في الطريقة التي نتظر بها اليهم حين نتعامل معهم وفق ما نراه نحن صوابا ونعتقد أنه معيار العدل فإننا نضع أنفسنا في مركز المشهد وننتظر من الآخرين أن يروا العالم بعيوننا وهذا ما يخلق فجوة واسعة بيننا وبينهم.
هذه الفجوة تتسع أكثر حين نكتشف أن البعض لا يتحرك بدافع القيم المجردة التي نؤمن بها بل بمنهج برجماتي يعتمد على المصالح والنتائج وقد يبدو هذا المنهج للبعض قاسيا أو غير منصف لكنه بالنسبة لأصحابه منطق عملي يحقق لهم ما يريدون.
وهنا تظهر الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التعامل مع الآخرين ليس باعتباره محاولة لفرض ما نراه صحيحا بل باعتباره قدرة على فهم دوافعهم وسياقاتهم واختلافاتهم دون أن نفقد أنفسنا أو قيمنا.
إن التوازن الحقيقي يكمن في أن نتمسك بمبادئنا دون تعصب وأن نفهم الآخرين دون ذوبان وأن ندرك أن العدل ليس دائما صورة واحدة بل قد يأخذ أشكالا متعددة وفقا للزوايا التي ننظر منها.
وفي النهاية تبقى الحكمة الأهم أن الحياة لا تكافئ من يظن أنه فهم كل شيء بل من يدرك أنه ما زال يتعلم وأن الناس ليسوا نسخا متطابقة بل عوالم مختلفة تحتاج إلى وعي وصبر وقدر كبير من المرونة.