كلمة العدد 1464.. “الحرب المقدسة”
يكتبها د. محمود قطامش
تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية تتشابك فيها خيوط السياسة ببارود المدافع وأزيز الطائرات والمسيرات، فلم تعد التهديدات محصورة بجهة دون غيرها وأصبحت المنطقة كلها تعيش حالة من السيولة العسكرية التي تجعل التنبؤ بالمستقبل، أمر بالغ الصعوبة، حتي أن شكل هذه الحروب أختلف، فأصبحت حروب مقدسة ُيستخدم فيها الدين كمبرر قوي للقضاء على الخصم وليس مهاجمته فقط وذلك الذي يرشح بأمتداد أمدها إلى آجال طويلة………..
حروب المنطقة أصبحت حروب لاهوتية بامتياز، لم تعد اللغة لغة عسكرية صرفه، لم تعد الصواريخ والمسيرات وحدها هي التي تتكلم، بل تتكلم الآله.
إنها حرب روايات وسرديات لكل طرف نصيبه فيها، ففي إيران مثلا هناك حلم بظهور (صاحب الزمان) وفي أمريكا حلم بظهور (المسيح) حيث أن ترامب يعتبر نفسه مسيحًا جديدًا مكلفًا بتطهير العالم من الاشرار وحماية المسيحيين البيض وتعبيد الطريق أمام (مملكة إسرائيل) لتسريع عودة وظهور المخلص ٠٠٠٠٠٠٠٠٠
أما في إسرائيل لم يتوقف نتنياهو منذ طوفان الأقصى إلى حرب إيران من التذكير بأنه في مهمة مقدسة، مقدما نفسه (قربانا) مستخدما شعارات من العهد القديم وقرأ على الإسرائيليين فقرات من (سفر أشعياء) يتعهد فيها الرب بمنح الشرق الأوسط لليهود وحوّل هذا الوعد (اللاهوتي) إلى برنامج سياسي يسمى (إسرائيل الكبرى) وهكذا تصبح التوراة منهاجا سياسيًا وعسكريًا لا كتابًا مقدسًا ٠٠٠
لعل الأطراف جميعا أدركت بأنه لم تعد هناك أي مبررات واقعية لتبرير هذه الحروب المجنونة، التي تفتك بمستقبل الإنسان ومقدراته، فلم تعد قادرة على إقناع الرأي العام وإقناع الجنود بمشروعيتها ولم يتبقى سوى الدين مبررًا لصياغة خلطة غريبة مجنونة، تجمع بين الجغرافيا والسياسة واللاهوت ويكشف هذا التحول الخطير توظيف الخطاب الديني في الحروب، كيف أن الأديان التي كانت مصدرًا للسلام والتقارب، أصبحت وسيلة لصناعة الإعداء ولم تعد مرجعيات اليوم من العقلانين والحداثة والإنسانية والديموقراطية والقانون الدولي كافيه، بل وضاقت أن تستوعب طموحات الإنسان ولم تنجح في لجم العنف الذي يفتك بالجميع وتفضح بشكل جلي رغبة الغرب وسعيه للتوسع والهيمنة، حيث لم يبقى الغرب أمينًا لشعاره بان (الدين شأن خاص) حتى يتحول ليكون مبررًا يوفر قاعدة لتفسير الحروب وتبرير الإبادة حتى تختلط في الحروب الحديثة الروايات والسرديات باللاهوتية بالعلوم العسكرية لتتحول الحروب إلى حروب مقدسة لا تنتهي إلا بنهاية طرف وإخضاعه تمامًا٠
ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش
[email protected]
مصر تلاتين