مقالات

استوديو التحليل الاستراتيجى الجامعة العربية.. بين إرث الماضي وتحديات المستقبل

بقلم /سهام عزالدين جبريل

رغم ما يحيط بـ جامعة الدول العربية من انتقادات حادة، وتراجع ملحوظ في فاعليتها خلال العقود الأخيرة، واصوات تعلو لتجميد دورها مما ينذر بخطر الانهيار لكيان قومى عاش عقود عديدة بين صراعات إقليمية وقضايا مصيرية فإن الحديث عن تهميشها أو الاستغناء عنها يظل طرحًا قاصرًا لا يدرك طبيعة التوازنات الإقليمية وتعقيدات النظام الدولي. فهذه المؤسسة، التي نشأت كإطار جامع للإرادة العربية، لا تزال—حتى في أضعف حالاتها—تمثل الحد الأدنى من التنسيق السياسي العربي، وصمام أمان رمزي واستراتيجي في آنٍ واحد.

أولًا: لماذا تبقى الجامعة العربية ضرورة؟
تكمن أهمية الجامعة العربية في كونها:
الإطار المؤسسي الوحيد الجامع للدول العربية، في ظل غياب بديل إقليمي شامل.
منصة للتشاور السياسي، حتى في أوقات الخلاف، بما يمنع القطيعة الكاملة.

أداة للحفاظ على الحد الأدنى من التوافق العربي في القضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

رمز للهوية العربية المشتركة، في عالم تتآكل فيه الهويات لصالح التكتلات الكبرى.

إن وجود هذا الكيان (حتى ولو في حالة ضعف) أفضل من غيابه، لأن الفراغ المؤسسي في منطقة مضطربة كالشرق الأوسط لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه قوى إقليمية ودولية.

ثانيًا: مظاهر التراجع… قراءة واقعية دون إنكار
لا يمكن إنكار أن الجامعة العربية شهدت تراجعًا في دورها، يتجلى في:
محدودية تأثيرها في إدارة النزاعات العربية
ضعف قدرتها على فرض قرارات ملزمة
تراجع التنسيق الاقتصادي العربي
بطء التفاعل مع الأزمات المتسارعة
ويرتبط ذلك بعوامل بنيوية، أبرزها: تمسك الدول بسيادتها المطلقة، وتباين أولوياتها، فضلًا عن التحولات العميقة في النظام الدولي التي قلّصت من دور المنظمات الإقليمية التقليدية.

ثالثًا: بين التحديات وخطر الانهيار
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف الجامعة العربية، بل في احتمال انهيارها الوظيفي، أي تحوّلها إلى كيان شكلي بلا تأثير. وهنا تبرز عدة مخاطر:

تآكل العمل العربي المشترك لصالح تحالفات جزئية أو ثنائية
تصاعد التدخلات الخارجية في الشؤون العربية
تفكك المواقف العربية في القضايا الاستراتيجية
فقدان منصة عربية موحدة للتعبير عن المصالح المشتركة
إن انهيار الجامعة—ولو بشكل غير معلن—يعني عمليًا غياب الصوت العربي الجماعي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إليه.

رابعًا: ما بين الإصلاح والحفاظ على البقاء
إن المعادلة اليوم لم تعد بين “الإبقاء أو الإلغاء”، بل بين:
الإصلاح والتفعيل
أو التآكل التدريجي حتى فقدان الدور
ويتطلب ذلك:
إرادة سياسية حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك
تطوير آليات اتخاذ القرار لتكون أكثر فاعلية
إعادة تعريف دور الجامعة في ضوء التحديات الحديثة (الأمن، الاقتصاد، التكنولوجيا)
الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة الاستراتيجية
خاتمة: ما لا يجوز التفريط فيه
قد تتراجع المؤسسات، وقد تفقد جزءًا من تأثيرها، لكن هناك كيانات لا يجوز التفريط فيها لأنها تمثل “الإطار الحافظ” للهوية والمصالح. والجامعة العربية واحدة من هذه الكيانات الاستراتيجية الهامة وبالتالى
فإن الحفاظ عليها ليس دفاعًا عن الماضي، بل استثمار في المستقبل. أما تركها تتآكل أو تنهار، فهو ليس مجرد فشل مؤسسي، بل مخاطرة استراتيجية تهز التوازنات الاستراتيجية بالمنطقة وتهدد مستقبل النظام العربي ككل.

خالص تحياتي
د/سهام عزالدين جبريل