
الحلقة الثانية: ما خفى كان أعظم
بقلم الدكتور: السيد مرسى الصعيدى
كان لا بد – ونحن نغوص في مستنقع الحرب التي تُطبخ الآن على نار هادئة بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من الجهة الأخرى – لصناعة شرق أوسط جديد ، واستكمالا لحديثنا السابق عن اليهود في التلمود، سنعرج في الحديث حول أكبر بلطجى في التاريخ السياسي أسمه: العم سام، والعم سام، لمن لا يعرفه، ليس رجلًا من لحم ودم، بل هو فكرة تقول: “أنا أفهم مصلحتك أكثر منك وسآخذها منك إن لم تفهم ، والفكرة هنا أخطر من المدفع، فعندما دخل العم سام فيتنام قديمًا، لا ليزرع الأرز مع الفلاحين، بل ليجرب أحدث ما عنده من ألعاب نارية وارهاب الروس، خرج بعدها تاركًا خلفه أرضًا محروقة وشعبًا يقول: “شكرًا… لا نريد هذا النوع من السلام”.ثم شد الرحال إلى أفغانستان، وهناك قرر أن يحارب “الإرهاب” بعد فشل الروس وظل 20 عام يبحث عنه، حتى تعب الإرهاب نفسه وهاجر، وترك لهم الفقر والخراب ، ودخل العراق، بزعم البحث عن أسلحة دمار شامل، فاكتشف أن السلاح الوحيد الموجود هو البترول ؟ فالبترول عند العم سام ليس مجرد سائل أسود، بل “سائل استراتيجي” يُستخدم في تشغيل الديمقراطية الأمريكية والغريب أن العم سام حين يغادر بلدًا، لا يقول “مع السلامة”، بل يقول: “سأعود في جزء ثانٍ من الفيلم”، لذلك تحول العم سام في الخليج العربى إلى حارس ليلي فاخر. يقف على الباب، يلوّح بسيفه، ويقول: “اطمئنوا… لن يقترب أحد”. ثم يمد يده في نهاية الشهر: “فاتورة الحماية يا سادة!” وهكذا صارت الطمأنينة تُدفع بالدولار، والخوف يُستورد جاهزًا من الخارج، أما فنزويلا، فقصتها مع العم سام تشبه قصة تاجر غاضب من زبون لم يشترِ منه.“كيف تملك كل هذا النفط ولا تسمع كلامي؟ فكانت العقوبات خطف الرئيس واسرته ومحاولات التأديب السياسي. فالنفط، كما يبدو، له قواعد: إن كان معك وتسمع الكلام… فأنت حليف وإن كان معك ولا تسمع… فأنت مشكلة دولية!
نصل إلى الفصل الأخير: إيران والمفاعل النووى… ومضيق هرمز، هذا الشريان الذي تمر منه أعصاب العالم الاقتصادية هنا يصبح العم سام أكثر توترًا، وأكثر حرصًا… ليس حبًا في الملاحة الدولية، بل حبًا في أن تظل يده هي الأعلى في لعبة الطاقة. وكلما اشتد التوتر، ارتفعت نبرة الكلام عن “الأمن العالمي”، وكأن العالم كله شركة، والعم سام هو المدير التنفيذي الذي لا يُراجع قراراته سواء الناتو او مجلس الامن.. .
الخلاصة… العم سام ليس شريرًا كرتونيًا كما في الأفلام، ولا ملاكًا كما في الخطب الرسمية…
هو ببساطة “تاجر كبير” لا ينام بل يشتري النفوذ ويبيع الحماية ويستثمر في الحروب أكثر مما يستثمر في السلام، وحين تشتعل الحرائق في العالم، لا تسأل من أشعلها أولًا…بل اسأل: من الذي يبيع طفايات الحريق؟