آراء وتحليلات

“ملفات استراتيجية كبرى: لواء أركان حرب طارق مهدي في حوار شامل.. إيران: هل يصبح الغزو البري خياراً محتوماً؟”

حوار: شيما فتحي


بعد شهر من اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، تلوح في الأفق مؤشرات قوية على أن الصراع يتجه نحو مزيد من التصعيد، بدلاً من الانحسار. وفي ظل الغموض الذي يكتنف الرؤى الأمريكية والإسرائيلية حول نهاية المعركة، تبرز أسئلة جوهرية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتؤثر على مسار المنطقة بأسرها. في هذه اللحظات الحاسمة.

ما الذي يحدث الآن في هذا المشهد المعقد؟
ما يحدث الآن هو فصل جديد من فصول الصراع، مواجهة عسكرية محسوبة، تستهدف القدرات دون احتلال الأرض. وفي الوقت نفسه، هناك تفاوض يتحرك في الخفاء، كل طرف يضغط بقوة دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء. نحن أمام صراع مفتوح، لكنه مدار بعناية فائقة، كأننا في لعبة شطرنج، كل حركة محسوبة وكل خطوة مدروسة.

سيناريو الغزو البري لإيران: ماذا لو اتخذ القرار بالزحف البري نحو إيران؟
لنضع العواطف جانباً وننظر إلى الواقع بعين الحكمة.

الوضع الإقليمي يتجه نحو تصعيد غير مسبوق، مع ضربات عسكرية متبادلة ورسائل سياسية مشحونة، مع ذلك لا يوجد قرار واضح بالدخول برياً. في الحقيقة أن المشهد لا يبدو كحرب شاملة ولا كسلام مستقر، بل هو مرحلة لإعادة ترتيب الأوراق، وكسر الإرادات وإعادة تشكيل توازنات القوى في المنطقة.

الغزو البري: البوابة إلى الفوضى
ماذا لو تم اتخاذ قرار الغزو البري لإيران فعلاً؟
إن قرار الغزو البري لإيران سيكون بمثابة الدخول إلى عالم جديد تماماً… داخل إيران، إذا كانت تقديراتنا صحيحة، فإن الانهيار لن يكون سهلاً أو سريعاً. ستكون مواجهة طويلة الأمد، استنزافاً شديداً، التفافاً داخلياً حول النظام الحاكم. إيران ليست خصماً سهل المنال، بل هي أرض خصبة للحروب المعقدة.

في الإقليم، لن يقتصر تأثير الغزو على إيران فقط، بل سيمتد إلى كل المنطقة: الخليج، العراق، لبنان، البحر الأحمر، وقد يتطور إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، تهدد الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. على الصعيد العالمي، ستكون الصدمة كبيرة: أزمة طاقة، اضطرابات اقتصادية، وتوترات بين القوى الكبرى. بمعنى أن تكلفة الغزو لن تكون محصورة في المنطقة فقط، بل ستتجاوزها آفاق أوسع.

ماذا لو تحقق السيناريو الأقوى.. اختفاء التوازن الإقليمي؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتصار طرف على آخر، بل في انهيار التوازنات كلها في آن واحد. هذا أخطر من أي هزيمة عسكرية، لأن النتيجة ستكون: تصاعد المغامرات، اتساع الطموحات، وغياب القيود. والتاريخ يشهد: عندما يختل التوازن فجأة، تكون بداية الانزلاق نحو الفوضى.

هل يهدد الفراغ الإقليمي الاستقرار؟
الخطر الكبير لا يكمن في إيران ذاتها، وإنما في الفراغ الذي قد تتركه وراءها في المعادلة الإقليمية. لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، نواجه احتمال تلاشي قطب إقليمي كان ركيزة للمقاومة والممانعة. وجود هذا الطرف، مهما كان تقييمه، كان يفرض توازناً رادعاً، ويجبر الجميع على حسابات دقيقة. فماذا سيكون الوضع إذا اختفى هذا التوازن؟

هل الحل في استمرار توازن الأقطاب المتحاربة؟
كلا، ليس تماماً. توازن القوى يفضي إلى استنزاف دائم، وغياب الأقطاب يولد فراغاً مدمراً. المقاومة بلا نظام تؤول إلى فوضى، والنظام بلا توازن يتحول إلى هيمنة، والتوازن بلا ضوابط ينغمس في نزاع لا نهاية له. المشكلة ليست في طرف دون آخر.. المشكلة في غياب نظام إقليمي قادر على التنسيق والضبط.

مصر: القلب النابض للشرق الأوسط
أين مصر في هذا المشهد المعقد؟
إنها، في رأيي، الدولة الوحيدة تقريباً التي تملك القدرة -إذا توفرت لها الشروط- على إعادة التوازن إلى المنطقة. ليس لأنها الأقوى، ولكن لأن موقعها الجغرافي محوري، ووزنها السكاني كبير، وتاريخها في إدارة الأزمات حافل. ومع ذلك، لا يمكن لدولة -في أي مكان- أن تقود إقليمها وهي تعاني من ضغوط اقتصادية. إنها حقيقة لا يمكن تجاهلها.

ما الذي يمكن أن يخرج المنطقة من هذا الوضع الكارثي؟
إن المنطقة لن تخرج من هذا المأزق بانتصار طرف أو هزيمة آخر، وإنما ببناء دولة وطنية قوية، ذات رؤية ومشروع يتجاوز حدود الأنظمة الحاكمة. دولة قادرة على الإنتاج، ومستقلة في قرارها، وليس مجرد، مجرد نظام حكم يعتمد على الإكراه. الخطر الحقيقي يكمن في انهيار التوازن الإقليمي دون وجود بديل، وحينها لن يكون السؤال عن المنتصر، بل عن القادر على احتواء العاصفة.