أخبار مصر

تعلّم أن تقول لا.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

تلك الوصية التي عنونت بها مقالي “تعلّم أن تقول لا”، لم أستطع أن أطبّقها على نفسي بشكل مُرضٍ! فأجدني منجذبًا من حيث لا أدري ولا أريد أحيانًا. فأكون مستباحًا من هنا وهناك!

وإذا كان هذا الحضور الاضطراري مقبولًا في الواقع الجسدي، فإن اضطراري إلى الكتابة لا أجد له تبريرًا.

أقول هذا بعدما سألني أكثر من صديق عن سبب غيابي عن نشر شيء على صفحتي هاهنا منذ مدة، فبادرت بنشر مقال أكسر به هذا الصمت الممتد. ثم تواصل معي أحد المسؤولين عن المواقع التي أنشر فيها، مستفسرًا عن سبب انقطاعي، فأخبرته أنني منشغل بمحاولة استكمال رواية تركتها منذ شهور، وقد بدأتُ أستعيد أجواءها وأسعى للانتهاء منها.
فقال لي: لا تغب عنا، ولو بمقال أسبوعي.

ولمن لم يُجرّب الكتابة، أو لم يعايش ثقلها، فليعلم أن لها آلامًا ومعاناة، شبّهها البعض بآلام المخاض؛ فكلاهما يُنجب جديدًا، إنسانًا كان أو فكرة.
فالكاتب يكتب بدوافع متعددة، تختلف باختلاف مراحله وظروفه؛ فقد يكتب ليسطّر تاريخه، أو لينشر أفكاره، أو -إن سما هدفه- ليسهم في نشر الوعي وتقويض الجهل، أو لهذا كله. تلك هي بواعث الكتابة الكبرى.

وإذا كانت أسنة الأقلام تصدأ إن لم تُستعمل، والحروف تذبل إن أُهملت بسقياها من منابع الفكر. لذلك أكتب ولو لنفسي؛ حتى لا تفقد ذائقتي بريقها، ولا تضمر الأفكار في رأسي، ولا يجف الحبر في بناني.

وأحمد الله أنني لم أُثقل نفسي بمشقة استدعاء الأفكار قسرًا، أو فرضها على الورق؛ بل أتركها تنساب كما هي.

من أجل ذلك؛ أكتب لأستمتع بالكتابة، لا لملء فراغ الورق، وأكتب للإمتاع والمؤانسة، بتعبير أبي حيان التوحيدي. أكتب لأنني أجد في الكتابة متنفسًا، لا التزامًا. وربما يعود ذلك إلى أنني لم أُضطر يومًا للكتابة طلبًا للرزق، على عكس من احترفها؛ فهو يكتب ليعيش، أما أنا فأود أن أعيش لأكتب.

وقد كتبت هذا المقال، ببساطة، حتى لا أقول لصاحبي: “لا”؛ فخذ بوصيتي، ولا عليك من فعلي؛ “وتعلم أن تقول لا”.