
الحلقة الثالثة: ما خفي كان أعظم
بقلم الدكتور : السيد مرسى الصعيدي
إذا كان “ ترامب ” في ثوب العم سام قد لبس قبعة الكاوبوي وخرج يوزّع الديمقراطية على طريقة “خذها أو خذها”، وإذا كان النتن ياهو في تل أبيب (فلسطين المحتلة) ارتدى درع “الضحية الأبدية” وهو يلوّح بالعصا النووية من خلف الستار… فإن المسرح لا يكتمل إلا بظهور “العمامة” القادمة من الشرق، تلك التي في تعاملهم الذى يتأرجح بين التعالي تارة، والندية تارة أخرى، والتحالف عند اللزوم فقط ،والعجيب أن علاقتهم مع العرب تشبه “زواج الصالونات” … فالكل يبتسم أمام الضيوف، لكن خلف الأبواب المغلقة… لكلٍ حساباته ، نحن هنا لا نتحدث عن دولة عادية، بل عن “حكاية” تُروى على طريقتين:طريقة رسمية تقول إنها قلعة المستضعفين، وطريقة غير رسمية تقول إنها تُدير لعبة شطرنج طويلة النفس… لا تعرف فيها إن كان البيدق جنديًا أم مشروع دولة ، فإيران أو لنقل (السيد الذي يتقن الانتظار) لا تدخل الحروب من بابها، بل من شرفاتها الخلفية، لا تُطلق الرصاصة أولًا، بل تزرع من يطلقها ، ولا ترفع صوتها عاليًا، لكنها تجعل المنطقة كلها تتحدث بلغتها ، فالسياسة الايرانية ليست سياسة… بل صبرٌ استراتيجي يشبه صبر الفلاح على أرضه يزرع اليوم… ويبتسم بعد عشرين عامًا، في طهران، لا أحد يتعجل، فالزمن عندهم ليس ساعات، بل “مشروع قرن”.هم لا يريدون أن يكسبوا معركة، بل أن يُرهقوا خصمهم حتى ينسى لماذا بدأ القتال أصلًا، يقولون لك: “نحن لا نريد الحرب” …، ثم تجدهم حاضرين في كل ساحة حرب! من هنا نفهم أن “عدم الرغبة” عندهم لا يعني الغياب، بل يعني الحضور بدون توقيع، أما عن أدوات اللعبة… فهي ليست دبابات ولا طائرات فقط، بل “أذرع” تمتد كخيوط العنكبوت: خفيفة… مرنة… لكنها إن أحكمت قبضتها، لا ترى الشبكة إلا بعد أن تُمسك بك، وهنا تكمن الحكاية: إيران لا تُقاتل بنفسها… بل تجعل الآخرين يقاتلون نيابة عنها، وكأنها تُدير مباراة شطرنج… بينما الآخرين يظنونها مباراة ملاكمة، والطريف ياصديقى، أن كل طرف في هذه الحرب يزعم أنه “يدافع عن نفسه” الكل ضحية… لكن الضحايا وحدهم هم الشعوب ،التي لا تملك لا عمامة ولا قبعة ولا خوذة، فالجانب الإيراني لا يعتمد على القوة الصاخبة، بل على “القلق الدائم” بأن تجعل خصمك لا ينام… هذا أعظم من أن تهزمه وهو مستيقظ، … لكن المنطقة كلها تعيش على أعصابها.
وأخيرا …. إذا كان العم سام يلعب بالنار، وصديقه يلعب بالكبريت، فإن إيران تجلس بعيدًا… تمسك بالوقود… وتنتظر اللحظة المناسبة لتسكبه، حتى يلتهم الجميع وهنا فقط نفهم مع”ما خفي كان أعظم…”وهكذا تبقى دائما الحكاية مفتوحة…لا إيران شيطان مطلق، ولا هي ملاك منزّل، ولا العرب ضحايا دائمون، ولا هم أبرياء تمامًا..…بل هي لعبة أمم…ومن لا يفهم قواعدها، يظل دائمًا مجرد قطعة على رقعة الشطرنج.