آراء وتحليلات

كلمة العدد 1466.. “تأثير الدومينو”

يكتبها د. محمود قطامش

في خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج، يطرح تساؤل استراتيجي نفسه بقوة: هل يمكن أن تفاجئ سلطنة عُمان العالم، وربما الإدارة الأمريكية، بخطوة غير تقليدية تتمثل في التنسيق مع إيران بشأن تنظيم حركة العبور في مضيق هرمز؟

ورغم أن هذا السيناريو يظل في إطار الافتراض، إلا أن مجرد طرحه يفتح الباب أمام قراءة أوسع لتأثيراته المحتملة على توازنات المنطقة، وعلى مستقبل أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.

فمضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر جغرافي، بل يُعد شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز.

وتكمن خطورة أي تحرك يتعلق بهذا المضيق في كونه قد يمتد تأثيره إلى غيره من المضايق الحيوية، وفق ما يمكن تسميته بـ”تأثير الدومينو”، حيث قد تفكر دول أخرى في إعادة النظر في آليات تنظيم المرور داخل نطاقها الجغرافي، بما ينعكس على حركة التجارة الدولية برمتها.

ومن المعروف أن العالم يعتمد على عدد من المضايق الاستراتيجية، من أبرزها مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، وباب المندب عند مدخل البحر الأحمر، والبوسفور والدردنيل في تركيا، وجبل طارق عند مدخل البحر المتوسط، إلى جانب المضايق الدنماركية التي تربط بحر البلطيق بالمحيط الأطلسي. وتكمن أهمية هذه الممرات في كونها نقاط عبور رئيسية للتجارة والطاقة، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، يبرز أيضًا مضيق تيران بين مصر والمملكة العربية كمدخل رئيسي لخليج العقبة، بما له من أهمية إقليمية في حركة الملاحة، خاصة نحو موانئ الأردن وإسرائيل، وهو ما يعزز فكرة أن شبكة المضايق العالمية مترابطة بشكل يجعل أي تغير في أحدها محل اهتمام دولي واسع.

إن أي محاولة لفرض قيود إضافية أو تنظيمات جديدة على حركة المرور في هذه المضايق، حتى وإن جاءت تحت اعتبارات سيادية أو أمنية، قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وتعطيل سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية، خصوصًا في قطاع الطاقة.

ومع ذلك، تظل هذه السيناريوهات محكومة بقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن حرية المرور في المضايق الدولية، بما يحد من قدرة أي دولة على اتخاذ إجراءات أحادية الجانب من شأنها تعطيل الملاحة.

وفي ضوء ذلك، تبقى منطقة الخليج واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيرًا، حيث تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتظل أي تطورات فيها – حتى وإن بدت محدودة – مرشحة لأن تتسع تداعياتها لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي النهاية، فإن فهم طبيعة “تأثير الدومينو” في الجغرافيا السياسية للمضايق لا يقتصر على قراءة الواقع، بل يمتد إلى استشراف المستقبل، في عالم باتت فيه الممرات البحرية أحد أهم مفاتيح القوة والنفوذ.

ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش
[email protected]
مصر تلاتين