
التكامل قوة.. بقلم / عادل رستم
لم يعد الحديث عن التكامل العربي ترفا فكريا أو حلما مؤجلا بل أصبح ضرورة تفرضها تحولات إقليمية متسارعة تعيد رسم موازين القوى وتعيد تعريف المصالح في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات القادرة على حماية اقتصادها وتأمين مستقبل شعوبها في ظل أزمات متلاحقة تمتد من الطاقة إلى الغذاء وصولا إلى الأمن والاستقرار.
إن الدول العربية تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتشكيل قوة متماسكة إذا ما أحسنت توظيف مواردها فهناك دول غنية بالثروات الطبيعية وأخرى تتمتع بكتلة بشرية شابة وأسواق واسعة وثالثة تمتلك خبرات علمية ومواقع استراتيجية مميزة غير أن غياب التنسيق الفعال جعل هذه المزايا تعمل بشكل منفرد فتتراجع الجدوى ويضعف التأثير بينما التكامل الحقيقي يقوم على الربط بين هذه العناصر في منظومة واحدة تحقق المنفعة المتبادلة وتقلل الاعتماد على الخارج.
اقتصاديا يمكن أن يبدأ التكامل بخطوات عملية مثل توحيد بعض السياسات الجمركية وتسهيل حركة التجارة البينية ودعم الصناعات المشتركة وتبادل الخبرات في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة وهو ما يسهم في بناء سوق عربية قوية قادرة على المنافسة عالميا ويخلق فرص عمل حقيقية ويعزز الاستقرار الاقتصادي أما اجتماعيا فإن التقارب الثقافي وتعزيز التعليم المشترك وتبادل الخبرات الإنسانية يسهم في بناء وعي عربي جامع يرسخ مفهوم المصير المشترك ويقوي الروابط بين الشعوب لا بين الحكومات فقط
في ظل المتغير الإقليمي الحالي لم يعد أمام الدول العربية سوى خيارين إما الاستمرار في العمل الفردي بكل ما يحمله من مخاطر أو الاتجاه نحو صيغة تكاملية مرنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وتدريجية التنفيذ فالطريق إلى الوحدة لا يبدأ بالقفز إلى النتائج بل ببناء الثقة وتفعيل ما هو ممكن اليوم تمهيدا لما هو أكبر غدا.
إن التكامل ليس شعارا بل مشروع يحتاج إلى إرادة سياسية ورؤية واقعية وإيمان بأن القوة الحقيقية لا تصنعها الدول منفردة بل تصنعها قدرتها على العمل معا في عالم لا ينتظر المتأخرين.