آراء وتحليلات

الطيبات بين الترغيب والترهيب

بقلم الدكتور: السيد مرسى الصعيدى 

في زمنٍ تتسارع فيه الظواهر الاجتماعية كما تتسارع الأخبار على الشاشات، يطفو إلى السطح حديث “الطيبات” بوصفه قضية تتجاوز حدود العادة إلى فضاء الجدل العام؛ بين من يراها بابًا للمتعة المباحة أو البديل الأقل ضررًا ، وبعيدا عن الانطباعات السطحية، سوف نذهب معا صوب: العلم، والقانون، والشرع.

من الناحية العلمية، تشير الدراسات إلى أن ما يُعرف بـ” الطيبات” — سواء كانت مواد نباتية أو مركبات مصنّعة — تختلف اختلافًا بيّنًا في تأثيرها على الجهاز العصبي والبدني. فليست كلها سواء في الضرر، كما ليست كلها آمنة كما يُروَّج في بعض الخطابات العلم هنا لا يعرف المجاملة؛ إذ يقيس الأثر بالتجربة، ومن ثم، فإن أي خطاب يتجاهل هذه الحقائق أو يهوّن منها، إنما يُسهم في تضليل الرأي العام،         أما من الزاوية القانونية، فالأمر يتحدد وفق ما تقرره الدولة من تنظيمات تهدف إلى حماية المجتمع. والقانون، في جوهره، لا يتدخل في حياة الأفراد إلا بقدر ما تمس أفعالهم الصالح العام. فإذا ثبت أن هذه “الطيبات” تُلحق ضررًا محققًا أو غالبًا، كان تدخل المشرّع مبررًا، بل واجبًا. غير أن الإشكال يظهر حين تتسع دائرة التجريم دون تمييز، أو تضيق على نحو يفتح الباب للفوضى، وهنا يبقى البعد الشرعي، وهو في مجتمعاتنا ليس مجرد مرجعية دينية فقط ، بل إطار قيمي يحكم السلوك العام، وقد استقر الفقه الإسلامي على قاعدة واضحة: “لا ضرر ولا ضرار”، وهي قاعدة تُعد من أوسع القواعد وأشملها. فإذا كانت هذه “الطيبات” تُفضي إلى إضرار بالنفس أو العقل، فإن الحكم يميل إلى المنع أو الكراهة بحسب درجة الضرر وثبوته، أما إذا انتفى الضرر أو كان يسيرًا غير مُفضٍ لمفسده، فإن مساحة الاجتهاد تتسع، مع بقاء الأصل في حفظ العقل والنفس.

غير أن ما يلفت النظر، الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تشكيل هذا النقاش ، الذى يتأرجح بين خطاب الترغيب الذي يقدّم الظاهرة في صورة عصرية جذابة، وخطاب الترهيب الذي يصوّرها ككارثة ، ومعهما يغيب التوازن، ويضيع الصوت العلمي الرصين، لأن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين العلماء يقدمون الحقيقة دون تهوين أو تهويل، والمشرّع الذي يزن الأمور بميزان العدالة، والداعية الذي يستحضر مقاصد الشريعة ، والإعلامي الذي يدرك أن الكلمة قد تبني وعيًا أو تهدمه.

وأخيرا …. “الطيبات” ليست مجرد قضية استهلاك، بل هي مرآة تعكس طبيعة المجتمع في تعامله مع المستجدات: هل ينقاد وراءها بلا وعي، أم يرفضها بلا فهم، أم يتعامل معها بعقلٍ يزن، وقانونٍ ينظم، وشرعٍ يهدي؟ وهذا التوازن يحول الجدل إلى معرفة، والخوف إلى وعي، والاختلاف إلى حوارٍ يُثري ولا يُمزق.