مقالات

العمل بعد الستين … بين الضروريات والتحديات

بقلم / عادل رستم

لم يعد بلوغ سن الستين نهاية الطريق كما كان يُنظر إليه قديمًا بل أصبح مرحلة جديدة يمكن أن تحمل في طياتها فرصًا مختلفة للحياة والعمل والعطاء فمع تطور الظروف الاقتصادية وارتفاع متوسط العمر وزيادة الوعي الصحي بات كثيرون قادرين على مواصلة العمل بل والنجاح فيه بعد هذا العمر.

العمل بعد الستين لا يرتبط فقط بالحاجة المادية رغم أهميتها لدى البعض لكنه يمتد ليشمل جوانب نفسية واجتماعية عميقة فالشعور بالإنتاج يمنح الإنسان قيمة ومعنى ويقلل من الإحساس بالعزلة أو الفراغ كما أن الاستمرار في العمل يساهم في الحفاظ على النشاط الذهني والبدني ويؤخر كثيرًا من مظاهر التراجع المرتبطة بالتقدم في السن.

وفي المقابل يملك من تجاوزوا الستين ثروة حقيقية من الخبرات والتجارب التي لا يمكن تعويضها بسهولة فهم أكثر قدرة على اتخاذ القرار وأكثر هدوءًا في مواجهة الأزمات كما أنهم يمتلكون رؤية أوسع ناتجة عن سنوات طويلة من العمل والاحتكاك بمختلف الظروف لذلك فإن الاستفادة منهم في مجالات الاستشارات والتدريب ونقل الخبرة تمثل قيمة مضافة لأي مؤسسة أو مجتمع.

لكن الأمر لا يخلو من تحديات فهناك من يواجه صعوبة في مواكبة التطور التكنولوجي أو يجد صعوبة في بيئات العمل السريعة كما أن بعض المؤسسات مازالت تنظر إلى السن كعامل إقصاء بدلًا من اعتباره عنصر خبرة لذلك يصبح من الضروري إعادة النظر في سياسات التوظيف وفتح المجال أمام نماذج عمل مرنة تناسب هذه المرحلة مثل العمل الجزئي أو العمل الاستشاري أو حتى المشاريع الخاصة.

ومن ناحية أخرى فإن التقاعد لا يجب أن يكون انسحابًا كاملًا من الحياة العملية بل يمكن أن يكون بداية لمرحلة مختلفة يختار فيها الإنسان ما يناسبه من أعمال تتماشى مع اهتماماته وقدراته دون ضغوط الوظيفة التقليدية فكم من مشروع ناجح بدأه صاحبه بعد الستين وحقق فيه ما لم يحققه خلال سنوات عمله السابقة.

إن العمل بعد الستين ليس مجرد خيار اقتصادي بل هو فلسفة حياة تقوم على الاستمرار والعطاء والتجدد وهي رسالة بأن العمر لا يقاس بعدد السنوات بل بما يقدمه الإنسان خلالها وما دام قادرًا على التفكير والعمل والإبداع فالحياة مازالت مفتوحة أمامه بكل احتمالاتها.