مقالات

“طاقة نور” الصديق الصدوق.. بقلم أ.د. زكريا محمد هيبة

جاء في الأثر: يوشك أن يفقد الناسُ ثلاثة: درهمٌ حلال. ولسانٌ صادق. وأخٌ يُستراح إليه.

كثيرًا ما يشتكي بعض من أعرفهم من مرارة الخذلان، ومن صدمة موقف لم يتوقعوه من صديقٍ ظنّوه وفيًا!

ولمّا كان أحدهم يقصّ عليّ ما صدر من “صديقه المزعوم” -والعهدة على الراوي – كنت أتعجب من مستوى ردود الفعل المبالغ فيها تجاه مواقف لا تتجاوز كونها عادية، وإن صاحبها شيء من الخشونة.

لكن بالتأمل يظهر أن هؤلاء لم يكونوا أصدقاء بالمعنى الحقيقي يومًا ما؛ بل مجرد أشخاص جمعتهم الظروف، فاضطروا للتواجد معًا فترات طويلة، وربما تقاسموا الطعام، حتى جمع بينهم ما يُسمى بـ”العيش والملح”. فإذا دبّ الخلاف، بكى أحدهم على عدم مراعاة هذه الحرمة.

والحقيقة يا عزيزي: لم تكونوا أصدقاء أصلًا، فما بينكم مجرد زمالة أو معاشرة عابرة. أما الصداقة الحقّة فهي أسمى من ذلك بكثير؛ هي علاقة متينة تحمل في طياتها الإيثار، والمحبة، وتلمس الأعذار.

أذكر أن أحد الأصدقاء اتصل بي ليزفّ إليّ خبر تفوق ابنه في الثانوية العامة. شعرت بالحرج الشديد، إذ كان يتعين عليّ أن أبادر أنا بالتهنئة لكنني نسيت. فأخذت أعتذر له، فإذا به يرد بكل حب:

يا أخي، أنا عارف إنك ناسي، وإلا ما اتصلت بك، ولأني أعرف أنك تحب لي الخير ما بادرتُ بذلك، فلم أفعلها إلا معك.
هنا فقط أدركت كيف يكون عمق الصداقة، وكيف يكون حسن الظن الذي لا يبحث عن الزلات.

لا أعرف من هو الحكيم الذي قال: “الصَّداقة : أن تتَورّط، وَهو يتصرَّف!”
هذا جانب واحد، وخيط رفيع من تلك الخيوط التي تنسج رابطة الصداقة المتين.

فيا أيها الحبيب العاقل، ليس كل من تلقي به الأيام في طريقك صديقًا، ولا كل من طالت مجالستك به صار أهلًا للصداقة. ولو أكلتما معًا خِراف نجد والحجاز!

ولعل أجمل ما يُختم به، ما رُوي عن الخليفة المأمون أنه لما سمع قول أبي العتاهية:
وإني لمشتاقٌ إلى ظل صاحبٍ
يروق ويصفو إن كدرت عليه
فقال : خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب !
وفي الجملة؛ لا تطلب في صديقك المحال، فلا تنتظر خلًا هو ابن عم الرمح نبلًا وشهامة، ولا نسيب الضوء وضوحًا واستقامة.

أقصى ما يمكن تمنيه؛ أن يجود الزمان علينا بأُناسٍ إذا رأوا عيبنا ستروه، وإذا لمحوا فضلنا ذكروه، يحفظون غيبتنا، ويغفرون كبوتنا، إن غبنا تفقدونا، وإن حضرنا أكرمونا، أولئك هم الأصدقاء الذي تُبنى بهم الحياة وتُزهر.