أخبار مصر

أضخم قضية أمن دولة في مصر

في خضم الأحداث الدامية التي شهدها قطاع غزة، تابعنا جميعًا كيف كانت الكثافة السكانية العالية لأهالي القطاع عاملا حاسمًا في إفشال مخططات نتنياهو لتهجير الاهالى ، ورأينا بأعيننا كيف أن مقاومة الأهالي لخطة التهجير، وتحملهم ظروفًا لا تحتمل، كانت السد المنيع الذي تصدعت عليه المخططات الرامية إلى إخلاء القطاع باتجاه سيناء ، وتلك المخططات وقفت مصر ضدها بحزم وشراسة حفاظًا على أمنها القومي وحفاظا على القضية الفلسطينية من الضياع وهنا يبرز سؤال مشروع وملح نطرحه اليوم بصوت مرتفع وواضح هل من الصواب أن نترك محافظة شمال سيناء التي تزيد مساحتها عن 25 ألف كيلومتر مربع أي ما يعادل مساحة خمس محافظات مصرية مجتمعة هل يجب ان نتركها شبه فارغة من السكان لأكثر من أربعين عامًا؟ وبمنتهى القطعية أؤكد ان الامر لم يعد متعلقًا برفاهية تنموية، بل تحول إلى قضية أمن دولة من الدرجة الأولى وقد حان الوقت لتتغير الصورة في شمال سيناء بأسرع ما يمكن وما كان يُفترض أن يتحقق في عشر سنوات، يجب أن ينجز اليوم في عام أو اثنين على الأكثر.

التنمية التوافقية هى الحل

على الحكومة أن توفر الاعتمادات المالية اللازمة فورًا، لأن الأمر تجاوز كونه ملفًا تنمويًا تقليديًا إلى كونه أولوية أمنية قصوى. وعلى محافظة شمال سيناء بكل مديرياتها ومؤسساتها أن تتبنى الرؤية والخطة وآليات التنفيذ بوتيرة متسارعة والأهم من كل ذلك أن تكون خطوات التحرك نابعة من الاحتياجات الفعلية للمكان والمجتمع وأن تتم بصورة توافقية ترضي جميع الأطراف لا أن تكون صدامية مع السكان المحليين بل توافقية ومكملة للرؤية الاستراتيجية مع ملاحظة انه لم يعد هناك متسع لأي تحركات غير مدروسة بعناية أو بعيدة عن الواقع أو تؤدي لأى صدام مع السكان المحليين ودون منفعة حقيقية تحقق الهدف المطلوب.

عودة النازحين وتسكين رفح الجديدة

على صعيد مركزَي رفح والشيخ زويد، يجب التحرك فورًا للإعلان عن فتح باب العودة أمام عدد كبير من النازحين، مع توفير التسهيلات الضرورية من محولات كهربائية، وأعمدة إنارة، ومستلزمات زراعية، لتمكين الأهالي من استصلاح أراضيهم وتعميرها. هذه الخطوة وحدها يمكن أن تؤدي إلى عودة ما لا يقل عن 10 آلاف أسرة، بإجمالي يصل إلى نحو 50 ألف نسمة ، وبالتوازي، يجب التحرك سريعًا لإشغال جميع عمارات مدينة رفح الجديدة بنسبة إشغال حقيقية (100%) بعد حل كل العقبات والمعوقات أمام المواطنين في أسرع وقت، وهو ما يمكن أن يؤمن تسكين حوالي 1000 أسرة (نحو 5000 نسمة).

حل مشاكل التجمعات بوسط سيناء

في منطقتي الحسنة ونخل، ينبغي اتخاذ إجراءات جادة لزيادة معدل التوطين للعمال والموظفين المغتربين، وتشجيعهم على الإقامة الدائمة في وسط سيناء مع إحضار أسرهم وأولادهم. يمكن تحقيق ذلك عبر حزمة من الحوافز، مثل توفير سكن إداري بتسهيلات في السداد، أو منحهم قطع أراضٍ سكنية بأسعار مخفضة. هذا من شأنه أن يزيد سكان وسط سيناء بنسبة 30% بشكل فوري ومستدام ، كما يجب حل كل المشاكل المتعلقة بالتجمعات التنموية التابعة لجهاز التعمير بوسط سيناء في نخل والحسنة، أو تلك التابعة لوزارة الزراعة، ما قد يؤدي إلى زيادة سكانية لا تقل عن 10 آلاف أسرة (50 ألف نسمة) بشكل مباشر وغير مباشر

توفير 50 ألف فرصة عمل بالعريش

وأعتقد أن زيادة الإغراءات والمزايا المادية قادرة على تنفيذ أكبر عملية جذب للموظفين والعمالة من جميع محافظات مصر إلى العريش عاصمة شمال سيناء. ويكون ذلك عبر مضاعفة قيمة بدل جذب العمالة، وتقديم حوافز مادية إضافية تحفز أبناء المحافظات الأخرى على الانتقال والعيش في شمال سيناء. هذا قد يؤدي إلى توطين أكثر من 10 آلاف أسرة أى ما يصل الى 50 ألف نسمة ، كما يجب الحصول فورًا على موافقات عاجلة واستثنائية من رئاسة الجمهورية لتوفير 50 ألف فرصة عمل بجميع مديريات ومؤسسات شمال سيناء. هذه الفرص ستسدد النقص الموجود في التخصصات المختلفة مثل الأوقاف، الصحة، التربية والتعليم، الثقافة، الزراعة، التضامن الاجتماعي، جامعة العريش، والشباب والرياضة. مع اعتبار الموضوع أمنًا قوميًا، وهو ما سيحقق الاستقرار والخدمات لحوالي 250 ألف نسمة ، وعلى الدولة أيضًا أن تبدأ فورًا في إنشاء “العريش الجديدة” غرب المدينة الحالية، مع التنسيق مع كل الجهات المعنية من مياه الشرب، الصرف الصحي، الكهرباء، الطرق، الغاز، الاتصالات لتجهيز البنية التحتية اللازمة والكافية لتوطين 250 ألف نسمة مستقبلا سواء عبر بناء وحدات سكنية أو توفير قطع أراضٍ بتسهيلات في السداد والتراخيص.

زراعة 450 ألف فدان على مياه ترعة السلام

على نطاق مركز بئر العبد يجب إلزام كل الجهات التي حصلت على أراضٍ أو منشآت بتحديد برنامج زمني واضح لبدء تنفيذ المقترحات التنموية التي تعهدوا بها. كما يجب حل أي عقبات تعيق زراعة الأراضي حول مسار ترعة السلام المخصصة لزراعة 450 ألف فدان، وتشجيع بدء الزراعة فورًا. هذا وحده يمكن أن يؤدي إلى توطين أكثر من 10 آلاف أسرة (يفوق 50 ألف نسمة) ، كذلك لا بد من التحرك الحاسم لحل مشاكل الانتقال من وإلى شمال سيناء عبر المعديات والأنفاق والكمائن، وتجهيز وإصلاح الطريق الساحلي الذي سيسهل الحركة إلى شمال سيناء دون معوقات، مما يعود بالفائدة على التجارة والسياحة وأي أنشطة أخرى في المحافظة.

الحوار المجتمعي والاستفادة من الكفاءات

وعلى نطاق المديريات والجهات المختصة عقد اجتماعات دورية والاستماع لكل الاراء وكل المقترحات التنموية وعرضها فورًا على جهات الاختصاص ليتم طرحها للنقاش والحوار المجتمعي قبل تنفيذها ويجب الاستماع جيدًا لأصحاب الفكر والرؤية وكذلك الكفاءات التي عملت سابقًا في الجهاز الإداري للدولة فهم كنز حقيقي يجب الاستفادة منه في صياغة وتجهيز أي مقترح بشكله النهائي.

وأمام مصر الان فرصة تاريخية لتحويل شمال سيناء من بقعة جغرافية شبه خاوية لمنطقة حيوية آهلة بالسكان تساهم في تعميق الأمن القومي وتحقيق التنمية الشاملة ، وما يحدث اليوم في غزة يجب أن يكون درسًا وحافزًا لنا وليس سببًا للتراجع ولذلك أقول للجميع لقد حان وقت الفعل ويجب ان يتم التحرك بشكل قوى وبسرعة.

د صلاح صقر
مدير مركز بحوث بجامعة العريش ورئيس قسم الثروة السمكية بكلية العلوم الزراعية البيئية والمدير التنفيذى لمؤسسة مصر التنمية والايداع