
سيناء .. مصر الصغرى “الحرب والسلام”
محمد نبيل محمد
“الحرب والسلام” رواية ذات ابعاد متشعبة للكاتب الأشهرعند العرب “ليو تولستوى” التى نشرتها فى مجلة المراسل الروسى 1865 ورغم تحليق الرواية فلسفيا بين طبقات المجتمع الروسى العاملة “أقنان الأرض” والملاك من “الأسياد”، وأيضا شروق الخيط الرومانسى بالرواية، وبالتأكيد لا يغيب عن احداثها الدور التاريخى فى توثيق الحرب النابليونية على روسيا القيصرية،إلا أننى اتعمد اقتناص هدفا آخر وهو مهارة الكاتب فى إظهار مدى قدرة أحداث الحرب والسلام لاحداث تغيرات تاريخية ومجتمعية، وربما راق لى اجتماع مفردتى “الحرب” و”السلام” معا ـ وفقط ـ لطرح فكرة أنهما وجهان لحال واحد، فلا سلام دائم وكذلك لا حرب أبدية، إنما المتغيرات الحادثة هى الحاكمة فى تقرير مصير أحدهما وتغليبه على حضور الآخر، وربما أيضا فى مقولة ونستون ليونارد سبنسرتشرشل الذى ولد 1874 بعد رواية تولستوى بعقد كامل وصار جنديا ثم كاتبا نال جائزة نوبل فى الأدب ـ وهو رئيس الحكومة الوحيد الذى نالها ـ وكان عضوا بالبرلمان عن الحزبين المحافظين لخمسة عشر عاما والليبرالى لعشرين عاما، ورئيس وزراء بريطانيا العظمى مرتين، الأولى خلال الحرب العالمية الثانية فى 1940 والثانية فى 1951 وكان يوما ما من أحد ضباط الصف فى الجيش الملكى بالسودان الى ان صار أميرا للبحرية الملكية، وتقلد وزارات عدة منها الخزانة والذخائر وغيرهما كالصناعة والتجارة، الداخلية، وزار مصر وخاصة الأقصر وشارك بمعركة أم درمان في سبتمبر 1898 وكان تشرشل حينها مراسلًا حربيًّا لجريدة مورنينج بوست، وكتب عن احتلال السودان مؤلفه الأول 1898 المكون من مجلدين بعنوان “حرب النهر” وصدرت النسخة الأولى 1899 إنما الأهم ـ هنا ـ هى مقولته المدوية:” لا تدع الأزمة الجيدة تمر سدى” وأيضا ” لا يمكن ان نشترى السلام بالتنازل” وتلك المقولتين اجد فيهما واقعا حقيقيا للسياسة الحاكمة فى الاقليم العربى ومحيطه الفارسى والتركى والصهيونى، فالأزمات الدائرة هى ازمات قوية ـ بحق ـ ولابد من التعامل معها بجدية واستثمارها، فهنا تستعيد مصر دورها الحاكم فى الإقليم خاصة وان القوى المتنازعة على امتلاك زمام الادارة والسيطرة تعانى من أزمات قوية منها ايران التى تحلم باستعادة المُلك الفارسى، وكذلك تركيا التى مازال يروادها حلم الامبراطورية العثمانية، وكذلك اسرائيل التى ترفل فى أوهامها، وتغط فى تروهات اسرائيل الكبرى، وكل القوى تلك تمر بأزمات داخلية من اضطراب مجتمعى عاصف، وزعزعة فى دعائم استقرارها القضائى والنيابى والأمنى، اضافة إلى رفض المحيط الإقليمى ـ أنظمة وشعوب ـ لطموحات تلك القوى الإثنية العرقية والثيوقراطية المتعالية “شيعية وسنية ويهودية” فضلا عن القبول الطاغى من شعوب المنطقة أولا ثم من أنظمتها ثانيا(!) للوجود المصرى الحاكم فى مقاليد الأمور العربية والاسلامية والمسيحية والافريقية والجنوب متوسطية، كما تحدث المفكر الخالد ميلاد حنا فى رائعته “الاعمدة السبعة للشخصية المصرية” (1998).
حقا هنا أزمة وربما أزمات كبيرة ومركبة ومتشعبة تمر بها تلك القوى المتصارعة على تولى زمام الإقليم، إنما لمصر الفرصة سانحة للإنفراد بإدارة الإقليم، وأيضا ولاننا نؤمن بعقيدة راسخة بأننا لا نشترى السلام بالتنازل عن الأرض أو الكرامة أو الارادة، ومع تمسكنا بالمبادىء المتأصلة بالشخصية المصرية وهى ذاتها الحاكمة لادارة الواقع الإقليمى، لاشك يجب ان نراجع مفهومى “الحرب” و”السلام” .
فى مصر الحديثة قبل الرئيس جمال عيد الناصر وقف اطلاق النار فى مبادرة وزير خارجية الولايات المتحدة وليم روجرز 1970 بعد ان حقق من حرب الألف يوم “الاستنزاف” اهدافه الاستراتيجية وأهمها تحقيق قدرة الدولة مع جيشها على النهوض من نكستها من جديد ومواجهة العدو الصهيونى وايلامه بضربات عسكرية متنوعة، وأمنية مخابراتية، ودبلوماسية سياسية، موجعه تحقق لنا الندية وتؤكد على القدرة والكفاءة على المواجهة واستعادة الأرض.
ولانه لا حرب دائمة، قبل الرئيس جمال عبد الناصر مبادرة “روجرز” لتحقيق الشق الثانى من استراتيجية مصر، وهى: استعادة قدرة وكفاءة الدولة والقوات المسلحة، وتحديث وتسليح وتدريب القوات على خطة العبور، وتفعيل مقولة “ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.
وكما جاء بكتاب “سنوات وايام مع جمال عبد الناصر ـ شهادة سامى شرف” (صدر 2005) حيث يشير الى ايفاد جمال عبد الناصر لوزير الخارجية محمود رياض الى مجلس الامن بمذكرة يثبت قيها امتناع اسرائيل عن تنفيذ قرار المجلس 242 وعدم انسحابها من الاراضى التى احتلتها عقب 1967 واشار فى المذكرة المصرية الى حديث جولدا مائير رئيس وزراء اسرائيل امام الكنيست فى الخامس من نوفمبر 1968 :” اننا عندما نقول ان حدودنا الامنة هى نهر الاردن فاننا نعنى انه عند توقيع اى اتفاقية سلام لن تعبر اى قوات اجنبية نهر الاردن، بل انه عند توقيع اتفاقية سلام لن توجد قوات اردنية او عربية غرب نهر الاردن فى ظل اى تسوية سلمية”
وهنا اراد ناصر ان يضع امام الراى العام العالمى عدم رغبة اسرائيل فى السلام او تنفيذ قرار مجلس الامن ، بهدف التحريك الدبلوماسى للقضية.
وفى فبراير 1969 اعلن ليفى اشكول رئيس وزراء اسرائيل :”ان اسرائيل لن تتخلى عن الجولان”.
وفى مارس 1969 وجه مبعوث الامم المتحدة سؤاله للدول الثلاثة حول تنفيذ قرار 242 وابدت كل من مصر والاردن الموافقة واعترضت اسرائيل الذى جاء فى ردها فى ابريل 1969 “انه عندما سيتم تحديد الحدود الامنه مع العرب ستنسحب اسرائيلـ، الا أنه حتى الان لا توجد حدود امنة ومعترف بها مع الدول العربية”.
ونجحت المساعى الدبلوماسية المصرية فى تحريك الراى العام العالمى تجاه حل الازمة، وتقدمت فرنسا بمشروع يقضى بانسحاب اسيرائيل على مرحلتين فى التاسع من ديسمبر 1969 وهو مشروع يقر بعدم احتلال ارض بالقوة، ثم تقدمت الولايات المتحدة فى التاسع عشر من ذات الشهر بمشروع مفادة ان الحدود الامنة هى حدود خط الهدنة لعام 1949 مع اعتبار القدس ذات طبيعة خاصة، وفى الثلاثين من ديسمبر اجتمعت مصر والاردن مع اسرائيل فى نيويورك لاقرار ايا من المشروعات التفاوضية، ورفضت اسرائيل مشروعات الانسحاب، وامام رغبة الولايات المتحدة فى عدم خسارة العرب والتوازن مع صنيعتها اسرائيل، ومع قيام ثورة الفاتح فى سبتمبر 1969 فى ليبيا، وثورة السودان فى مارس 1970 وتوغل سطوة الاتحاد السوفيتى فى المنطقة العربية، واستمرار العمل على تسليح جيش مصر وتدعيم وتحديث قدرة قواتها غرب القناة بالقيام بعمليات اسقاط الطائرات الفانتوم ثم طائرة الاستطلاع “الاستراتوكروزر” فضلا عن عمليات الاغارة الدائمة شرق القناة ونجاحاتها المتلاحقة، ودعوة ناصر لانعقاد مجلس الدفاع العربى الذى اقر باجتماع القادة العرب فى الرباط ديسمبر 1969 لتوحيد القوى العربية تجاه التوسع الصهيونى فى الاراضى العربية، وظهر ما يعرف بقومية المعركة العربية، لذا ارادت الولايات المتحدة استعادة علاقاتها مع العرب امام المد السوفيتى، ونسق هنرى كيسنجر رئيس الامن القومى الامريكى “فيما عرف ببداية الدبلوماسية الامنية” لقاء مع محمود رياض وزير خارجية مصر اثناء وجوده فى نيويورك اكتوبر 1969 دون علم وليام روجرز وزير خارجية امريكا ـ طبقا لشهادة سامى شرف فى كتابه ـ وبعلم من ريتشارد نيكسون فى بادرة تجنيب وزير خارجية امريكا، وطبقا لكتاب سنوات وايام مع جمال عبد الناصر لمؤلفه سامى شرف فيقول:” ان هنرى كيسنجر عرض على محمود رياض مفاوضات بين مصر واسرائيل دون علم العرب، وهو الامر الذى رفضته الادارة المصرية بشكل كامل واعتبرته غير مقبول للنقاش من الاساس”.
وكان رد الفعل المصرى ان جاء فى خطاب جمال عبد الناصر فى عيد العمال مايو 1970 طلبا محددا من مصر للولايات المتحدة وهو:” الضغط على اسرائيل للانسحاب من الاراضى العربية التى احتلتها، أو التوقف عن تسليح اسرائيل ، والا تكون الولايات المتحدة شريكا فى احتلال الاراضى العربية باعتبارها داعما للعدوان الاسرائيلى منذ يونيه 1967″
جاء هذا الخطاب بمثابة جرس انذار للولايات المتحدة فى تعديل سياستها مع العرب وبالاخص مع مصر باغتبارها الادارة الحاكمة فعليا فى الاقليم العربى، وعرضت الولايات المتحدة مبادرة وقف اطلاق النار “مبادرة روجرز” التى كانت تلبية لمساعى الدبلوماسية المصرية بعد الانتصارات العسكرية المتتالية فى معارك الاستنزاف، وقبلت اسرائيل مبادرة وقف اطلاق النار، وقبلت مصر المبادرة التى سعت اليها لتفعيل وقفة استراتيجية تستطيع فيها استعادة الاوضاع العسكرية والتنسيق مع الجبهة السورية فى شن حرب لا تتأخر عن ربيع 1971 لاستعادة سيناء والجولان، فقامت مصر بحرب الالف يوم ثم بالسلام وكلاهما بالتبادل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية والقومية لمصر والعرب.
ومرت السنوات الثلاثة وتسلح الجيش وتدرب وارتفعت معنوياته واشتدت رغبته فى استعادة الأرض بالحرب “من جديد” انتصر المصريون بالحرب فى استعادة عشرين كيلومتر شرق القناة بما يوازى 15 % من مساحة الأرض المحتلة، وقبل الرئيس السادات مبادرة كلا من الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة لوقف اطلاق النار بقرار مجلس الأمن 338 والذي تم تبنيه في 22 أكتوبر 1973 وكان نص القرار كالتالى:
1- يدعو جميع الأطراف المشتركة في القتال الدائر حالياً إلى وقف اطلاق النار بصورة كاملة، وانهاء جميع الأعمال العسكرية فوراً في مدة لا تتجاوز 12 ساعة من لحظة اتخاذ هذا القرار، وفي المواقع التي تحتلها الآن.
2- يدعو جميع الأطراف المعنية إلى البدء فوراً بعد وقف اطلاق النار، بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (242) (1967) بجميع أجزائه.
3- يقرر أن تبدأ فور وقف اطلاق النار وخلاله، مفاوضات بين الأطراف المعنية تحت الإشراف الملائم بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
وعادت مصر الى السلام بعد الحرب من اجل التركيز فى معركتى الدبلوماسية لاستعادة معظم الارض ثم معركة القضائية والتوجه للتجكيم الدولى لاستعادة كامل الارض.
فكانت معركة الدبلوماسية وبعد الخطاب الأشهر للسادات يوم السادس عشر من اكتوبر 1973 “خطاب النصر” كان خطابه عندما اعلن السادات فى مجلس الشعب فى التاسع من نوفمبر 1977 رغبته على السفر الى الكنيست الاسرائيلى ومناقشة السلام، سلام المنتصر القائم على العدل، ورحب مناحم بيجن رئيس وزراء اسرائيل وارسل الدعوة الرسمية للرئاسة المصرية من خلال السفير الامريكى بالقاهرة لتكون فى التاسع عشر من نوفمبر 1977 لكن رئيس الاركان الاسرائيلى – مردخاي غور، وُلد عام 1930 في القدس، وفي سن المراهقة انضم إلى صفوف “الهاجاناه” وفى فترة ولايته (1974ـ 1978) عمل على إعادة تأهيل الجيش بعد حرب 1973ـ وهو من اعتبر هذا الاعلان للزيارة بمثابة تغطية على هجوم مصرى وشيك على اسرائيل ، كما جاء فى حديثه عن رد فعله عن تصريح السادات بالزيارة فى صحيفة يدعوت احرانوت فى الخامس عشر من نوفمبر .
… وربما الرجل كان مازال يعانى من هلع الخداع الاستراتيجى الذى خدع به المصريون الصهاينة والامريكان والعالم(!).
واستغلت مصر رغبة جيمى كارتر فى تقوية علاقات امريكا مع العرب للتفرغ لحربه البارده مع الاتحاد السوفيتى، كما استغلت رغبة وزير خارجية امريكا يهودى الديانة هنرى كيسنجر بالاعتراف باسرائيل مقابل مكاسب مشروعة للمصريين وهى التى اعترف بها حتى ذاك الوقت 85 دولة معظمها من الأنظمة الحاكمة والفاعلة فى القرار العالمى، وكسينجر هو من أوصى ادارته بهندسة اتفاق مفاوضات بين مصر واسرائيل برعاية امريكا، واعقب الزيارة السادات للكنيست تبنى الولايات المتحدة لمفاوضات السلام بين مصر والكيان الصهيونى، وعلى مدار عام كامل ركزت الدبلوماسية المصرية جهودها لاستعادة الارض مما نتج عن ذلك اتفاقية كامب ديفيد فى 17 سبتمبر 1978 بعد 12 يوما من المفاوضات السرية في كامب ديفيد التى مهدت لمعاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيونى فى واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة فى 26 مارس 1979 واستعادت مصر كامل سيناء عدا طابا التى بدأت عندها معركة قضائية ومراحل التحكيم الدولى.
ففى إسرائيل للمرة الاولى يصعد حزب الليكود للحكم واتى مناحم بيجن بصقور تعاونه على المفاوضات منهم: وزير الزراعة اريئيل شارون، ووزير الخارجية موشيه دايان، وبالمقابل رد السادات بصقور شباب فى المفاوضات وهم: اسامة الباز، واحمد ماهر، وبطرس غالى، وكما اخدت مصر ١٥ ٪ من سيناء بحرب 73 ـ 93 اكتوبر ـ رمضان، وكذلك أخذت ٨٥٪ بالمفاوضات فى ٧٧
وقبل اتفاقية السلام كانت إسرائيل يعترف بها ٨٥ دولة وهم كبار الدول الحاكمة فى أقاليم العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وبعد وصول الرئيس الاربعين للولايات المتحدة رونالد ويلسون ريجان للبيت الابيض فى الفترة من 1981 إلى 1989 وقبل رئاسته كان حاكم ولاية كاليفورنيا الثالث والثلاثين بين عامي 1967 و 1975، بعد مسيرة كممثل فى هوليوود ورئيس نقابة ممثلي الشاشة، وتميز عهده بالعديد من الفضائح، مما أدى إلى التحقيق أو توجيه الاتهام أو الإدانة لأكثر من 138 مسؤولاً إداريًا، وهو أكبر عدد لأي رئيس للولايات المتحدة، واشهر الفضائح كانت بيع اسلحة لايران بهدف الافراج عن ستة موظفين امريكيين احتجزتهم ايران فيما عرف بفضيحة “ايران كونترا” والاهم لدينا ان ريجان اراد التنصل من اتفاقية كامب ديفيد ومعاهد السلام الذى حاول التملص من اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام لانها ليست فى صالح إسرائيل التى تنازلت عن سيناء مقابل السلام(!) وساعد مناحم بيجن رئيس وزراء الكيان الصهيونى فى التملص من تسليم طابا، ومن بعده تكرر التراخى فى تسليم طابا من حكومتى إسحاق شامير ثم شيمون بيريز، وكان رونالد ريجان يدعمهما فى عدم تسلم طابا لمصر، وبهذا المسلك يقصد ضرب معاهدة السلام التى اقرتها إسرائيل بدعم امريكا فى تسليم كامل الارض، وكان مستشارى ريجان فى ذلك هم: ديك اتشينى، ودونالد رامسفيلد، وكولن باول، وجميعهم اصبحوا وزراء دفاع وعسكريين فيما بعد فى معارك امريكا على العرب والعراق(!).
عقب حرب أكتوبر عقدت في 1979 اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، والتي بموجبها بدأت إسرائيل انسحابها من سيناء، وفي أواخر عام 1981 الذي كان يتم خلاله تنفيذ المرحلة الأخيرة من مراحل هذا الانسحاب، سعى الجانب الإسرائيلي إلى افتعال أزمة تعرقل هذه المرحلة، وتمثل ذلك بإثارة مشكلات حول وضع 14 علامة حدودية أهمها العلامة (91) في طابا، الأمر الذي أدّى لإبرام اتفاق في 25 أبريل 1982 والخاص بالإجراء المؤقت لحل مسائل الحدود، والذي نص على عدم إقامة إسرائيل لأي إنشاءات وحظر ممارسة مظاهر السيادة، وأن الفصل النهائي في مسائل وضع علامات الحدود المختلف عليها يجب أن يتم وفقاً لأحكام المادة السابعة من معاهدة السلام المبرمة بين البلدين، والتي تنص على حل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير المعاهدة عن طريق المفاوضات، وأنه إذا لم يتيسر حل هذه الخلافات بالمفاوضات فتحل عن طريق التوفيق أو تحال إلى التحكيم. وبعد 3 أشهر من هذا الاتفاق افتتحت إسرائيل فندق سونستا وقرية سياحية وأدخلت قوات حرس الحدود. فقامت الحكومة المصرية بالرد عن طريق تشكيل اللجنة القومية للدفاع عن طابا أو اللجنة القومية العليا لطابا، وتشكلت بالخارجية المصرية لجنة لإعداد مشارطة التحكيم، وعقب قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي بالموافقة على التحكيم، تم توقيع اتفاقية المشارطة بمشاركة شمعون بيريز في 11 سبتمبر 1986، والتي قبلتها إسرائيل بضغط من الولايات المتحدة. وهدفت مصر من تلك المشارطة إلى إلزام الجانب الإسرائيلي بتحكيم وفقاً لجدول زمني محدد بدقة، وحصر مهمة هيئة التحكيم في تثبيت مواقع العلامات ال14 المتنازع عليها. وفي 29 سبتمبر 1988 تم الإعلان عن حكم هيئة التحكيم في جنيف بسويسرا في النزاع حول طابا، وجاء الحكم في صالح مصر مؤكداً أن طابا مصرية، وفي 19 مارس 1989 كان الاحتفال التاريخي برفع علم مصر معلناً السيادة على طابا وإثبات حق مصر في أرضها.
في 13 مايو 1985 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 641 بتشكيل اللجنة القومية لطابا برئاسة عصمت عبد المجيد وعضوية 24 خبير، منهم 9 من خبراء القانون، و 2 من علماء الجغرافيا والتاريخ، و 5 من كبار الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، و 8 من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية، وعهدت وزارة الخارجية المصرية بمهمة إعداد المذكرات إلى لجنة مشارطة التحكيم والتي تشكلت برئاسة نبيل العربي، ممثل الحكومة المصرية أمام هيئة التحكيم في جنيف وبعضوية كل من: من وزارة الخارجية (إبراهيم يسري، بدر همام، حسن عيسى، أحمد أبو الخير، محمود عثمان، عز الدين عبد المنعم، وجيه حنفي، أحمد فتح الله، محمد جمعة، حسين مبارك، محمود سامي، فايزة أبو النجا، أحمد ماهر، مهاب مقبل، ماجد عبد الفتاح)، من وزارة الدفاع (عبد الحميد محسن حمدي، فاروق لبيب، خيري الشماع)، من وزارة العدل (أمين المهدي، فتحي نجيب)، من وزارة البترول (أحمد عبد الحليم، صلاح حافظ)، مفيد شهاب، يونان لبيب رزق، أحمد صادق القشيري، يوسف أبو الحجاج، سميح صادق، صلاح عامر، وحيد رأفت، محمد الشناوي، جورج أبو صعب، طلعت الغنيمي، محمد بسيوني، حسين حسونة، محمد عبد الفتاح محسن. واستعانت لجنة الدفاع المصرية بالدكتور / دريك باوت في مقابل استعانة إسرائيل بالدكتور / لوتر باخت وكلاهما أستاذ في القانون الدولي وذو خبرة دولية في هذا النوع من المنازعات. وضمت هيئة التحكيم الدولية 5 أعضاء تمثلوا في كل من: الدكتور حامد سلطان عن الجانب المصري، وعن إسرائيل روث لابيدوت، والثلاثة الآخرون هم: بيليه رئيس محكمة النقض الفرنسية السابق، وشندلر أستاذ القانون الدولي بسويسرا، ولاجرجرين رئيس محكمة ستوكهولم. وعقدت الجلسات مع هيئة التحكيم وبدأت بتقديم مذكرة افتتاحية مايو 1987، وكانت أول جلسة في ديسمبر 1986، ثم تلقت المحكمة المذكرات المضادة والردود من الطرفين في أكتوبر 1987، واتفقوا على تقديم مذكرة ختامية في يناير 1988، إضافة إلى جولتين من المرافعات الشفهية في مارس وأبريل من نفس العام، واستمرت المرافعات 3 أسابيع حتى صدور الحكم لصالح مصر في 29 سبتمبر 1988 داخل قاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمي لحكومة مقاطعة جنيف، في حضور وكيلي الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين، بأغلبية 4 أصوات والاعتراض الوحيد من الجانب الإسرائيلي، ووقع الحكم في 230 صفحة.
وفي 19 مارس 1989 كان الاحتفال التاريخي برفع علم مصر معلناً السيادة على طابا وإثبات حق مصر في أرضها، ، كما كان فى 25 إبريل 1982 حيث تم إنزال علم العدو للمرة الأخيرة فى شرم الشيخ فى جنوب سيناء ومدينة رفح فى شمالها، لينتهى بذلك 15 عاما من الاحتلال الصهيونى، وأيضا كما حدث من قبل فى 26 مايو 1979 وتحررت العريش، واستعادت مصر بالحرب والسلام ـ معا ـ كامل الأرض.
ومن المهم تدوين بعض الملاحظات وهى:
لم تستمر مصر فى القتال رغم انتصارها فى 1973 وذلك لانها حققت من الحرب هدفها الاستراتيجى الذى كان واضحا فى نص التوجه الاستراتيجى الذى صاغه واصدره السادات.
قبل حرب 1973 اتفقتا الدولتان المسيطرتان على زمام الأمر العالمى وهما الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة على بقاء الوضع فى المنطقة العربية فيما عرف بـ “لا سلم ولا حرب” واتفقتا رغم انهما كانتا فى أوج حربهما الباردة وسباقيهما الفضائى والنووى.
وما اشبه الليلة بالبارحة فقد قامت امريكا بحرب غير مباشرة ضد روسيا فى دعمها اللامحدود لاوكرانيا عندما رأس جو بايدن امريكا، ثم تحالفتا الدولتان مع مجىء رونالد ترامب (!) فهل سيكون فى الأفق اتفاق ما حوب سايكس بيكو جديدة (!).
استفادت مصر بفضيحة واتر جيت وتلصص ريتشارد نيكسون على رموز دولته، والانتخابات فى كل من الولايات المتحدة واسرائيل قبيل حرب 1973، وكذلك استفادت بفضيحة ايران كونترالرونالد ريجان فى انشغال الولايات المتحدة عن اسرائيل بعض الشىء وتمت اجراءات رفع العلم المصرى على شرم الشيخ جنوبا والعريش شمالا، ثم التحكيم الدولى وصولا لاستعادة طابا، والان فضيحة قطر جيت (!).