مقالات

كل عام وسيناء في القلب… وكل عام ونحن أكثر وعيًا بما يجب أن نحميه

بقلم: أ.د. إبراهيم فريج حسين

في ذكرى تحرير سيناء، نجد أن أعظم وفاء لهذه الأرض ليس فقط في الاحتفاء بها، بل في العمل الجاد على حماية معناها. فسيناء لم تكن يومًا مجرد جغرافيا، بل كانت – وستظل – اختبارًا لإرادة هذا الوطن، وقدرته على الصمود، ووعيه بحقيقة ما يحيط به.

نعم فسيناء ليست مجرد أرضٍ عادت، بل هي معنى استعادته الأمة من بين أنياب التحدي، ورمزٌ لا يزال يختبر فينا القدرة على الفهم قبل القدرة على الفخر. ففي كل عام، حين تهل ذكرى تحرير سيناء، لا ينبغي أن نقف عند حدود الاحتفاء، بل أن نتجاوزها إلى سؤالٍ أكثر عمقًا: كيف نحفظ ما حررناه؟
لقد كانت معركة تحرير سيناء نموذجًا لحروب الجيل الثالث؛ حيث المواجهة المباشرة، والسلاح في وضوحه، والعدو في تعريفه. أما اليوم، فنحن نعيش في زمن مختلف، زمن حروب الجيل الرابع، حيث لا تُستهدف الأرض بقدر ما يُستهدف الوعي، ولا تُخاض المعارك على الحدود فقط، بل داخل العقول والقلوب.

وسيناء بما لها من خصوصية جغرافية واستراتيجية وثقافية، لم تخرج من دائرة الاستهداف، بل تغيرت أدوات استهدافها؛ فلم يعد الخطر في احتلال ظاهر، بل في اختراق خفي؛ في شائعة تُربك، أو فكرة تُضلل، أو خطاب يُفكك الانتماء، أو محاولة لعزل المواطن عن عمقه الوطني.

ومن هنا، فإن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الفكر، وحماية الحدود لا تتحقق إلا بتحصين الإنسان فإن أخطر ما يمكن أن نواجهه اليوم ليس عدوًا على الأرض، بل فراغًا في الوعي، يسمح للآخر أن يملأه بما يشاء.

ومن ثم يمكن القول: إن أبناءنا اليوم في مواجهة معركة من نوع مختلف؛ معركة تتطلب أن نُعيد تشكيل أدوات التربية، وأن نُعيد تعريف دور المدرسة، والجامعة، والأسرة، والإعلام، ودور العبادة؛ فلم يعد كافيًا أن نُعلم أبناءنا المعلومات، بل أصبح واجبًا أن نُعلمهم كيف يفكرون، وكيف يميزون، وكيف يقاومون التضليل.

وفي هذا السياق سيناء ليست فقط قضية أمن قومي، بل قضية وعي قومي والفرق بينهما كبير. إنها اختبار دائم لقدرتنا على الربط بين الماضي والحاضر، بين النصر العسكري والانتصار الفكري. فإذا كنا قد نجحنا في استعادة الأرض بقوة السلاح، فإن التحدي الحقيقي الآن هو الحفاظ عليها بقوة الوعي.

وختامًا إن تحصين أبنائنا فكريًا لم يعد خيارًا تربويًا، بل ضرورة وطنية. تحصين يقوم على بناء الانتماء الواعي، لا الشعاراتي، وعلى تنمية التفكير النقدي، لا التلقين، وعلى تعزيز الثقة في الدولة، لا عبر الخطاب، بل عبر الفهم العميق لطبيعة التحديات واستعراض مهددات تطبيقات الذكاء الاصطناعي وقوة حفظ البيانات الشخصية والوعي بأهميتها.