مقالات

نماذج مشرفة لنساء صنعن الفارق

تظل قضية حقوق المرأة، وخاصة في مسألة المواريث، معياراً حقيقياً لتقدم المجتمعات. وفي قلب المجتمع السيناوي، يتداخل العرف والشرع والقانون ليشكلوا مشهداً معقداً يسعى لتحقيق العدالة في بيئة ذات خصوصية ثقافية فريدة. وبالرغم من المكاسب السياسية التي حققتها المرأة المصرية، وصولاً لتمثيل برلماني غير مسبوق، إلا أن التحديات المجتمعية في ملف “الميراث” لا تزال قائمة.

​الميراث: عدالة السماء وتجاوزات البشر
​يؤكد علماء الدين أن الشريعة الإسلامية أنصفت المرأة، بل ومنحتها نصيباً يفوق الرجل في أكثر من 17 موضعاً، وهو ما أشاد به منصفون غربيون باعتباره نظاماً سبق القوانين الوضعية بقرون. ومع ذلك، يبرز الخلل نتيجة “العصبية القبلية” والجهل بالمواريث، حيث يُحرم الإناث أحياناً من الميراث بدعوى الحفاظ على ممتلكات العائلة من الانتقال لـ “الغرباء” (أزواج البنات).
​القضاء العرفي: دستور سيناء غير المكتوب
​يُعد القضاء العرفي الركيزة الأساسية للضبط الاجتماعي في سيناء، ويمتاز بوجود قضاة متخصصين لحماية كيان المرأة:
​القاضي العُقبي: المختص بالأحوال الشخصية، والنزاعات الزوجية، وصون حقوق المرأة.
​القاضي المنشد: المعني بقضايا العرض والوجه، ويفرض عقوبات مغلظة لحماية حرمة النساء.
وقد أقر العرف قاعدة “المربع” (مضاعفة التعويض أربع مرات) للمرأة المتضررة، كضمانة لحريتها وكرامتها في البيئة الصحراوية.

​المحاكم الرسمية.. “الملاذ الصعب”
​رغم وجود القانون رقم 219 لسنة 2017 الذي يعاقب حارمي الميراث بالحبس، إلا أن لجوء المرأة السيناوية للمحاكم يظل نادراً جداً. ويعود ذلك لاعتبارات اجتماعية، منها:
​الوصمة الاجتماعية: الخوف من “تفسخ الأسرة” ونبذ الأقارب.
​التكلفة المالية: أعباء التقاضي الباهظة مقارنة بالعرف.
​نظام “الترضية”: ميل الرجال لتعويض النساء بمبالغ مالية بسيطة بدلاً من الأراضي والعقارات.

​تضارب الرؤى حول “العرف”
​تتباين آراء النخبة حول جدوى القضاء العرفي حالياً:
​المؤيدون: يرونه الأسرع في حل الجذور العميقة للنزاعات وحقن الدماء.
​المعارضون (من رجال الدين): ينتقدون افتقاره لقواعد مدونة واصطدام بعض أحكامه أحياناً بالنصوص الشرعية الصريحة.

​الخبراء القانونيون: يلاحظون ضعف سلطة التنفيذ العرفية لدى الأجيال الجديدة، مع التأكيد على ضرورة تكامله مع القضاء الرسمي، وهو ما استوعبته الدولة بإنشاء “مكتب شؤون البادية” بوزارة الداخلية ومكاتب تسوية المنازعات.

​إن العرف في سيناء ليس مجرد تقاليد، بل هو صمام أمان حقق السلم المجتمعي لقرون. ومع التحولات المعاصرة، تظل الحاجة ملحة لنشر الوعي القانوني والشرعي لتصحيح المفاهيم البالية التي تحرم المرأة حقها الأصيل، ضماناً لأن يظل العرف “حامياً” لا “عائقاً” أمام العدالة.

سوس حجاب
أمينة المرأة بحزب الجبهة الوطنية
ورئيس مجلس إدارة جمعية حقوق المرأة السيناوية