
عيون موسى.. من أسطورة النبوة إلى ملحمة النصر العسكري في قلب سيناء
مزار تاريخي يروي بطولات حرب أكتوبر ويكشف أسرار واحدة من أخطر النقاط الحصينة على خليج السويس
كتب – محمود الشوربجي
في كل عام، ومع حلول عيد تحرير سيناء، تتجدد في الوجدان المصري مشاعر الفخر والعزة، وتعود الذاكرة إلى صفحات مضيئة من تاريخ الوطن، سطّرها أبطال القوات المسلحة بدمائهم الزكية على أرض سيناء الطاهرة. هناك، حيث امتزجت قدسية الأرض ببطولات الرجال، تقف معالم خالدة تحكي قصة كفاح طويل انتهى باستعادة الكرامة والسيادة.
ومن بين هذه الشواهد، يبرز مزار عيون موسى كواحد من أهم المواقع التي تختزل رحلة النضال من الاحتلال إلى التحرير، حيث لا تروي جدرانه فقط تفاصيل معارك حرب أكتوبر 1973، بل تجسد روح الإصرار التي أعادت سيناء إلى حضن الوطن، لتبقى ذكرى التحرير عنوانًا للفداء ورمزًا للنصر الذي لا يُنسى.
يقع مزار عيون موسى بالقرب من منطقة عيون موسى التاريخية على شاطئ خليج السويس، على بُعد نحو 30 كيلومترًا من مدينة السويس، ونحو 4 كيلومترات جنوب المنطقة الأصلية لعيون موسى، ليجمع بين القيمة الدينية والتاريخية والعسكرية في آنٍ واحد.
ويرتبط اسم الموقع بنبي الله موسى عليه السلام، حيث تشير الروايات إلى مروره بهذه المنطقة خلال خروجه من مصر، وهو ما أضفى عليها مكانة روحية خاصة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أهم النقاط العسكرية الاستراتيجية في سيناء.
وعُرف المزار أيضًا باسم “متحف النقطة الحصينة بعيون موسى”، نظرًا لدوره العسكري البارز، حيث استخدمته إسرائيل كنقطة سيطرة قوية عقب احتلالها شبه جزيرة سيناء بعد حرب 1967، إذ أتاح الموقع إشرافًا كاملاً على الجزء الشمالي من خليج السويس، ومدينة السويس، ومنطقة بور توفيق.
ويضم الموقع حتى اليوم منظارًا عسكريًا بعيد المدى يصل طوله إلى متر تقريبًا، كان يُستخدم في رصد التحركات لمسافات تتجاوز 40 كيلومترًا، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للموقع، الذي يتحكم أيضًا في طريق “الشط – الطور” المؤدي إلى جنوب سيناء.
وخلال فترة الاحتلال، استُخدم الموقع في قصف منشآت حيوية، من بينها مصانع البترول والزيتيات وميناء الأدبية، إضافة إلى مناطق مدنية داخل مدينة السويس، ما جعله مصدر تهديد دائم للسكان وأحد أسباب تهجيرهم في تلك الفترة.
ورغم التحصينات الشديدة، نجحت القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 في استعادة الموقع ضمن خطة عسكرية محكمة، حيث صدرت الأوامر في 9 أكتوبر بمهاجمته عبر ثلاث مجموعات قتال تحركت في اتجاهات مختلفة، ما أربك قوات الاحتلال وأدى إلى انهيارها وانسحابها تاركة خلفها المعدات والأسلحة.
وتمكنت القوات المصرية من السيطرة على الموقع قبل غروب شمس اليوم نفسه، وسارعت إلى تأمينه تحسبًا لأي هجوم مضاد، وهو ما حدث بالفعل، حيث حاولت القوات الإسرائيلية استعادته بدعم جوي مكثف، إلا أن بسالة المقاتلين المصريين حالت دون ذلك، لتظل السيطرة مصرية خالصة.
ويُعد الموقع شاهدًا حيًا على عبقرية التخطيط العسكري المصري، إذ كان جزءًا من منظومة تحصينات معقدة شبيهة بخط خط بارليف، التي نجح الجيش المصري في تحطيمها خلال الحرب.
ويحتوي المزار على ستة دشم خرسانية شديدة التحصين، مغطاة بقضبان السكك الحديدية وطبقات من الصخور، قادرة على مقاومة قنابل زنة ألف رطل، فضلًا عن وجود خنادق اتصال، ونقاط مراقبة، ومخازن ذخيرة، وأماكن إقامة للجنود، بما يحقق الاكتفاء الذاتي لفترة تصل إلى شهر كامل.
كما تضم النقطة مدافع هاوتزر عيار 155 مم، كانت موجهة نحو مدينة السويس، حيث استخدمت في قصفها بشكل متكرر، وكانت تُخفى بمهارة عقب إطلاق النيران لتفادي رصدها، وهو ما يؤكد مدى تعقيد البنية الدفاعية والهجومية للموقع.
وخلال زيارة ميدانية، أكد أحد المسؤولين عن المزار أن هذه التحصينات صُممت لتأمين الجنود أثناء القصف الجوي والمدفعي، خاصة مع بقاء السويس تحت السيطرة المصرية آنذاك، ما جعلها تمثل تهديدًا مباشرًا للقوات الإسرائيلية في الموقع.
واليوم، تحول الموقع إلى مزار سياحي وتاريخي متكامل، يضم مبنى بانوراما، وقاعة عرض تاريخية، ومكتبة، إضافة إلى كافتيريا ومحال لبيع الهدايا، إلى جانب مسجد صغير وقاعة مخصصة لكبار الزوار والمؤتمرات.
ورغم أهميته، لا يحظى مزار عيون موسى بالشهرة التي يستحقها مقارنة بمواقع أخرى، إلا أنه يظل وجهة فريدة للباحثين عن التاريخ، حيث تتجاور فيه قدسية المكان مع بطولات الحرب، في مشهد يجسد واحدة من أروع صفحات النصر المصري.
ويستقبل المزار زواره يوميًا، من التاسعة صباحًا حتى العاشرة مساءً صيفًا، وحتى السادسة مساءً شتاءً، ليظل شاهدًا مفتوحًا على التاريخ، يروي للأجيال قصة أرض استعادت كرامتها بقوة الإيمان والسلاح.