آراء وتحليلات

من رماد التحدي إلى أفق البناء… رؤيتي لتنمية بئر العبد بعد عقد الغياب

كتب / مهندس محمد الزملوط

لم تكن السنوات الماضية مجرد زمن عابر في تاريخ بئر العبد، بل كانت اختبارا قاسيا لإرادة الإنسان السيناوي، الذي صمد في وجه العواصف، وتمسك بأرضه كما يتمسك الجذر بالتربة في وجه الريح العاتية.

واليوم، بعد أن انقشعت غيوم الإرهاب، وعادت الأرض لتتنفس الأمان، لم يعد الحديث عن التنمية رفاهية مؤجلة، بل أصبح ضرورة وجود، وحقا أصيلا لأهل المكان.

إن رؤيتي للتنمية المستدامة في مركز بئر العبد تنطلق من فهم عميق لطبيعة هذه الأرض، وما تختزنه من إمكانيات كامنة، تحتاج فقط إلى حسن توجيه، وإرادة صادقة، وتخطيط يوازن بين الحاضر والمستقبل.

في مجال الزراعة، أرى أن بئر العبد قادرة على أن تتحول إلى سلة غذاء حقيقية لشمال سيناء، من خلال زراعة زمام ترعة السلام و التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وتبني نظم الري الحديثة التي توفر المياه وتزيد الإنتاجية، مع الاهتمام بالزراعات الملائمة لطبيعة التربة والمناخ، وعلى رأسها الزيتون والنخيل والمحاصيل الملحية. كما أن دعم صغار المزارعين بالتقنيات الحديثة والتدريب سيسهم في خلق مجتمع زراعي قوي ومستدام.

أما بحيرة البردويل، فهي درة التاج التي لم تستثمر بعد بالشكل الأمثل. إن تطوير الثروة السمكية بها لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يمتد إلى إنشاء صناعات قائمة على الأسماك، من تعبئة وتصدير وتصنيع، مما يخلق فرص عمل واسعة، ويحول المنطقة إلى مركز اقتصادي متكامل.

كما يجب الحفاظ على التوازن البيئي للبحيرة، حتى تظل مصدرا دائما للعطاء.

وفي مجال الصناعة، فإن إقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة تعتمد على الموارد المحلية يمثل خطوة ذكية نحو تنمية حقيقية. صناعات الزيتون، والملح، والأسماك، ومنتجات النخيل، كلها مجالات واعدة يمكن أن تشكل قاعدة صناعية قوية، تفتح أبواب الرزق لأبناء المنطقة، وتحد من الهجرة الداخلية.

أما السياحة، فهي كنز لم يستخرج بعد. فبئر العبد تمتلك مقومات سياحة بيئية فريدة، من شواطئ نقية، وطبيعة بكر، وهدوء نادر، يمكن أن يجذب الباحثين عن الاستجمام الحقيقي. إن تطوير السياحة يجب أن يتم برؤية تحافظ على هوية المكان، وتدمج المجتمع المحلي في الاستفادة منها، لا أن تكون غريبة عنه.

وفي التعليم، لا يمكن الحديث عن تنمية دون بناء الإنسان. إن تطوير المدارس، وتحديث المناهج، وربط التعليم بسوق العمل، خاصة في مجالات الزراعة والصناعة، هو حجر الأساس لأي نهضة حقيقية. كما أن إنشاء مراكز تدريب مهني سيسهم في إعداد جيل قادر على الإنتاج، لا مجرد البحث عن الوظيفة.

أما الصحة، فهي خط الدفاع الأول عن الإنسان. وتطوير المنظومة الصحية في بئر العبد يجب أن يشمل تحسين البنية التحتية للمستشفيات، وتوفير الكوادر الطبية، وضمان وصول الخدمة الصحية إلى القرى والتجمعات البعيدة، حتى يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة في تفاصيل حياته.

وفي مجال الشباب والرياضة، فإن الاستثمار في طاقة الشباب هو الاستثمار الأهم. إنشاء مراكز شبابية متطورة و دعم المراكز القائمة ، وتوفير الأنشطة الثقافية والرياضية، يساهم في بناء جيل واعٍ، قادر على القيادة، ومحصن ضد الأفكار الهدامة.

إن التنمية التي ننشدها ليست مجرد مشروعات تقام، بل هي روح تبعث في المكان، وعلاقة تبنى بين الإنسان وأرضه، تقوم على الانتماء والعمل والأمل. إنها تنمية ترى في كل شاب طاقة، وفي كل أرض فرصة، وفي كل تحد بداية جديدة.

وفي الختام، فإن بئر العبد ليست مجرد بقعة على الخريطة، بل هي قصة صمود تستحق أن تروى، ومستقبل ينتظر أن يصنع. وإن ما بعد الانتصار على الإرهاب ليس عودة إلى ما كان، بل انطلاق نحو ما يجب أن يكون. فلنكتب معا فصلا جديدا، عنوانه البناء، ومضمونه العمل، ونهايته وطن يليق بتضحيات أبنائه.

وفي الختام، يبقى الأمل هو النور الذي نهتدي به، والعمل هو الطريق الذي نسلكه، والإيمان بقدرتنا هو السلاح الذي لا ينفد. فإذا اجتمعت الإرادة مع التخطيط، وتلاقت الرؤية مع التنفيذ، فإن بئر العبد ستنهض، لا كما كانت، بل كما ينبغي أن تكون.