
خرج و لم يعد.. بقلم / مهندس عادل محسن أرناؤوط
لم يتجاوز عمره العشرين عاما وكان آخر العنقود
تخرج وعمل في هيئة تعمير الصحارى بوادى الملاك
سريعاً تقدم لخطبة إحدى الفتيات مقبلاً عل دنيا ادبرت عنه.
كانوا يقولون عنه ابن موت.
تخرج من التعليم الفنى و عمل بهيئة تعمير الصحارى فى وادى الملاك .
المنطقة تشتعل و الأحداث تتوالى والعدو الصهيوني على حدود سيناء.
القطارات تحمل الى العريش افواجا من قوات الاحتياط .
عبد الناصر يا حبيب… بكرة ندخل تل أبيب هكذا كنا نغنى نحن الصغار.
عاد عمى إلى العريش سعيدا يوم الاحد ٤ يونيو فى اجازة من عمله
بات ليلته ونحن أبناء أخيه الشقيق فى أحضانه.
فى صباح الاثنين ٥ يونيو و على مائدة الإفطار تبادل مع والده الحوار عن الحال وقال جدى أنه لا خوف على مصر لان السوفييت معها وخالفه الفتى قائلا والله ما هيخرب بيتنا غير السوفييت .
لم يطل الحوار فقد دوت انفجارات متتالية هزت المكان هزا فقفز الشاب قائلا الرز استوى..
خرج و ظل يحث اقاربه واصدقاءه للوقوف أمام للعدو.
استلم سلاحا كغيره مقابل بطاقته الشخصية و رتدى ملابس عسكرية تخص زوج اخته و خرج واهبا نفسه لوطنه مع خيرة شبابنا ورآه البعض يتنقل من مكان إلى مكان بزيه العسكرى ..
دارت رحى الحرب و لم يحصل جيشنا على فرصة حقيقية للقتال في زمن فاقت فيه قوة الصوت صوت القوة وقد صدرت تعليمات عجيبة بالانسحاب ومع ذلك فقد جرت ملاحم كان ابطالها المتحصنين من بواسل جيشنا فى مدينة العريش بين أهلها و أبطال المقاومة الشعبية من أبناء المدينة وكان الفتى في مقدمتهم.
خلال الحرب دارت فى بيت جدى ملحمة شهيرة بين جنودنا المتحصنين فيه وقوة معادية تمشط العريش هلك على إثرها بعض جنود الاحتلال و قائدهم ولم يصب أحد من جنودنا بسوء و ساعدهم جدى واخوه على النجاة فى نفس الليلة قبل ان ينسف الاحتلال البيت فى اليوم التالى ليعانى جدى من تحقيقات و ارهاب قوات الاحتلال كثيرا .
انتهت الحرب سريعا ولم يعد لدى جدى لا بيت ولا ولد فوالدى و أعمامى كانوا مع الجيش إلى وانسحبوا معه غرب القناة ولم يبق معه فى العريش الا هذا الفتى ولكن أين هو ؟
عاد جميع أفراد المقاومة إلى اهلهم احياء أو شهداء و لكن الفتى لم يعد لا حيا ولا ميتا..
حظر التجوال بالعريش يرفع لوقت قصير وهى فرصة ليقضى المواطنون بعض حوائجهم و لكنها كانت لجدى فرصة ليسعى فى كل مكان يسأل و يتفحص الشهداء لعله يجد الفتى دون جدوى .
حاول ابى التعرف على مصير شقيقه من خلال وزارة الحربية والصليب الأحمر لعله يجد لشقيقه أثرا بلا جدوى .
توقفت المحاولات و لكن بقى فى نفس جدى بعض الأمل ولم لا ؟ فليس على الله عسير !!!
ظل يحيا بهذا الأمل حتى لقى ربه عام ١٩٧٦ خلال فترة الاحتلال وفاضت روحه المعلقة بين ابنائه الغائبين وابنه المفقود .
عدنا بعد زوال الاحتلال عام ١٩٧٩ والتقينا مجددا بجدتى وكانت تعانى من ضعف الإبصار لكثرة بكائها على ابنها المفقود تتذكر حنانه و عطفه عليها و بره بها وتتنهد طويلا لتقول … نار الحى تفضل حية يا ستى.
أدعو له كثيراً فلم يعقب ولداً و لا بنتاً.
ما زال يراودنى امل لأعرف ماذا صار له قبل لقاء ربى واسأل نفسى كيف كان سيكون لو اكتمل مشوار عمره.
كثيرون قد لقوا نفس مصيره فما من بيت في ربوع و نجوع مصر إلا ولأهله قصة كقصة عمى شهيداً أو فقيدا أو بطلا ُ.
عمى الشهيد بإذن الله أحمد علي عطية على إسماعيل محسن أرناؤوط
طبت حيا و ميتاً انت و سائر شهدائنا الأبرار.