
على بوابة الحياة… شهادة الصحفي إيهاب المالح من قلب معبر رفح
في نقطةٍ تتقاطع فيها الجغرافيا مع الإنسانية، ويصبح فيها الانتظار اختبارًا للصبر، يقف معبر رفح الحدودي شاهدًا على واحدة من أكثر اللحظات حساسية في المنطقة. ومن هناك، ينقل الصحفي والإعلامي إيهاب المالح صورةً حيةً لا تُختصر في أرقام أو بيانات رسمية، بل تُروى من وجوه الناس، ومن تفاصيل الميدان التي لا تراها الكاميرات دائمًا.
يقول إيهاب المالح، الذي واصل عمله الإعلامي من داخل المعبر وعلى مدار أيام متتالية، إن المشهد لم يكن مجرد حركة عبور تقليدية، بل حالة إنسانية متكاملة تتجسد فيها معاني التضامن والتكاتف. “كنتُ هناك وسط الجميع، لا أنقل الخبر فقط، بل أعيشه لحظة بلحظة”، هكذا يلخص تجربته.
مصر… دور يتجاوز الحدود
من خلال متابعته الميدانية، يؤكد المالح أن الدور المصري في معبر رفح لم يكن إداريًا فقط، بل إنسانيًا بامتياز. فرق الإسعاف على أهبة الاستعداد، والأطقم الطبية تعمل بلا توقف لاستقبال الحالات المرضية القادمة، خاصة أولئك الذين أنهكتهم الظروف الصحية القاسية.
يروي: “كنتُ حاضرًا أثناء استقبال المرضى، لحظات تختلط فيها الدموع بالأمل. مسعفون يهرعون، أطباء يبدؤون فورًا في التقييم، ومتطوعون يحيطون بالمشهد بروح إنسانية نادرة.”
المسافرون… بين ألم الفراق وأمل الوصول
داخل ساحة المعبر، تتعدد الحكايات. مسافرون ينتظرون دورهم للخروج، وآخرون يصلون بعد رحلة شاقة. يقول المالح إن حالة الترقب كانت السمة الغالبة، حيث يختلط القلق بالرجاء.
“رأيتُ عائلات تودّع، وأخرى تستقبل، ومشاعر لا يمكن وصفها بسهولة. كل شخص يحمل قصة، وكل لحظة عبور تحمل معنى أكبر من مجرد الانتقال من مكان إلى آخر.”
السائقون… جنود في الظل
من بين أبرز المشاهد التي يلفت إليها المالح، دور سائقي الشاحنات، الذين وصفهم بـ”الجنود المجهولين”. هؤلاء يقودون شاحنات المساعدات الغذائية والطبية، وينتظرون لساعات طويلة، وربما أيام، في حالة ترقب لدخول الإمدادات إلى الجانب الآخر.
“تحدثتُ مع عدد من السائقين، كانوا يدركون أهمية ما يحملونه، ويتعاملون مع مهمتهم كواجب إنساني قبل أن تكون وظيفة. الصبر الذي يتحلون به يستحق التقدير.”
المتطوعون… قلب الحدث النابض
لم يكن المشهد ليكتمل دون وجود المتطوعين، الذين انتشروا في مختلف أرجاء المعبر. من تقديم الدعم اللوجستي، إلى مساعدة المرضى وكبار السن، وصولًا إلى تنظيم الحركة وتقديم الإرشادات.
يقول المالح: “وجود المتطوعين كان لافتًا، شباب وفتيات يعملون بلا كلل، بابتسامة صادقة، وإحساس عميق بالمسؤولية. كانوا جزءًا أساسيًا من هذا المشهد الإنساني.”
حالة ترقب… وشاحنات تنتظر الإشارة
في محيط المعبر، تقف شاحنات المساعدات في صفوف طويلة، محمّلة بالغذاء والإمدادات. لحظة السماح بالدخول ليست مجرد إجراء، بل حدث ينتظره الجميع.
“كنا نتابع لحظة بلحظة، كل تحرك، كل إشارة. حالة من الترقب تسيطر على المكان، لأن كل شاحنة تعني وصول أمل جديد لمن ينتظرون في الداخل.”
تغطية إعلامية من قلب الحدث
بالنسبة لإيهاب المالح، لم تكن التغطية الإعلامية مجرد نقل صور أو تسجيل تصريحات، بل مسؤولية لنقل الحقيقة بكل أبعادها. “كنتُ حريصًا على أن أكون قريبًا من الجميع: المسافرين، المرضى، السائقين، المسعفين، والمتطوعين. كل منهم يمثل زاوية مهمة في الصورة الكاملة.”
ويضيف: “الإعلام هنا ليس رفاهية، بل ضرورة. لأن ما يحدث في معبر رفح هو قصة إنسانية يجب أن تُروى بصدق.”
ختام المشهد
بين أصوات سيارات الإسعاف، وحركة الشاحنات، ووجوه الناس التي لا تنسى، يبقى معبر رفح أكثر من مجرد نقطة حدودية. إنه مساحة تختبر فيها الإنسانية نفسها كل يوم.
ومن خلال شهادة الصحفي إيهاب المالح، تتضح صورة الميدان كما هي: مليئة بالتحديات، لكنها أيضًا مليئة بالأمل… أمل يصنعه أناس عاديون، في ظروف استثنائية.